بحث

batouloahmed

يهتم هذا الموقع بعرض المعاني الباطنه لكثير من الآيات التي تم تفسيرها تفسيراً ظاهراً. وسوف يعجب الكثير من الباحثين من نتائج البحوث التي تم إعدادها. لذا أحسب أن هذا الموقع سيشجع كثير من الباحثين على وطلاب الماجستير والدكتوراه من مواصلة هذا المنهج

معنى كلمة الظن في القرآن

(معنى (ألا تطغوا في الميزان) و(ولا تخسروا الميزان

بسم الله الرحمن الرحيم
(معنى (ألا تطغوا في الميزان) و(ولا تخسروا الميزان
مقدمه
لقد جاء في محكم تنزيله قوله تعالى: (وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ) (أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي ٱلْمِيزَانِ ) ( وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُواْ ٱلْمِيزَانَ ) 7-9 الرحمن . كما ورد حديث في ذلك وهو: قال:”أفرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض؟ فإنه لم يغض ما في يمينه، وكان عرشه على الماء، وبيده الميزان يخفض ويرفع” قال الخطابي :في ذلك الميزان هنا مثل وإنما هو قسمته بالعدل بين الخلق (يخفض ويرفع ) أي يوسع الرزق على من يشاء ويقتر كما يصنعه الوزان عند الوزن يرفع مرة ويخفض أخرى. وقول الله عز وجل أنفق أنفق عليك هو توضيح لحقيقة أن الله هو الرزاق وليس لبشر مقدرة على الكسب دون أن يكون الله قد قدره له. ولهذا وضع الله في قانونه الذي ينظم الحياة الدنيوية أن الإنسان إذا علم أن ذاك المال الذي حصل عليه ويحصل عليه دائماً هو رزق من عند الله قد منحه له وكتبه له من قبل أن يخلقه لينفق منه في سبيله وأنفق بالفعل فسيرضى الله عنه.
إذاً الميزان هو المقياس الموزون الذي قسم الله به رزق العباد فلم يظلم به أحداً. ولما خلق الله الخلق ليعبدوه وحده جعل الأقدار خيرها وشرها فتنة وامتحاناً. والامتحان هو رضى المخلوق بقسمته وصبره عليها. فقسمة الأقدار للخلائق متساوية في باطن الأمر بالرغم من اختلافها والتفاوت فيها في الظاهر. فمثلاً يرزق الله أحداً بجميع النعم فمثلاً يرزق مخلوقاً بزوج أو زوجه وبأطفال كثيرين ومال كثير.فيفرح بها معتقداً أن الله أكرمه دون أن يعلم أنه ممتحن في هذه النعم وكيف أنه سيؤدي شكرها طوال حياته  كما أنه لايعلم أن من وراء هذه النعم ربما كان مكتوب له الشقاء كل الشقاء إذا فرح بها ونسي ذكر ربه وصار يبحث عن المزيد من تلك النعم.  وفي نفس الوقت يمكن يكون من الخلق من حرم نهائياً من تلك النعم فيتضجر ظاناً أن الله أهانه أي ظلمه والعياذ بالله- دون أن يعلم أن الله قد كتب له خيراً سيجده في وقت معلوم. فإذاً الذي كتب الله له النعم ولم يصبر عليها والذي لم تكتب له نعم  ولم يصبر على حاله متساويان لا فرق بينهما لأن كلاً منهما في حالة امتحان وكلاهما قد سقطاا في الفتنة  أي الإمتحان
لقوله تعالى: (فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ) (وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَهَانَنِ) 16-17 الفجر ولا فرق بين الامتحانين لقوله تعالى: (إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً) ( إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً) (وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً ) 19-21 المعارج
وبما أن الله قد نهانا عن تغيير أحوالنا بقوله تعالى: (سَلْ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ) 211 البقرة ونهانا أن نفرح بما آتانا وأن لا نأسوا على ما لم نجد بقوله تعالى: (لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) 23 الحديد
فهذا يعني أن الله يريد من كل مخلوق أن يحافظ على قسمته كما أعطاها له الله حتى يكون العدل سائداً والميزان أي الوزن الذي قسمت به الأرزاق إذاً من يقبل بقسمته ويصبر عليها فقد شكر الله وبالتالي يكون مستقيماً في إيمانه معتدلاً به وغير معوج عنه
. بذا يصير معنى ولا تطغوا في المي هو ألا تطغوا على ما قسمه الله لكم بوزن معلوم لتكونوا مستقيمين بإيمانكم، ولا تخسروا الوزن الذي وضعه الله بالميل عنه والبحث عن غيره فتصيروا مائلين عن الحق ضالين. فمعنى ولا تخسروا الميزان هو ان لا تميلوا عن إيمانكم بعدم قبولكم قسمة الله وتغييرها.
فمن يقيم العدل والميزان بالصبر كحال سيدنا أـيوب يجزيه الله خير الجزاء ومن يخسر العدل والميزان إعواجاً بعدم الصبر كحال أبينا آدم وبني اسرائيل يعاقبه الله أشد العقاب.
إذاً علينا أن نتذكر أن إبليس -نستعيذ بالله من شره – هو الذي يوسوس للخلائق ليطغوا في الميزان ويخسرونه والله أعلم

الفئة الناجية من الحساب والعقاب يوم القيامة

بسم الله الرحمن الرحيم
الفرقة الناجية من الحساب والعذاب
لقد بين الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم أن الناس سينقسمون يوم القيامة إلى ثلاثة فرق رئيسية بناءً على أعمالهم في الدنيا. ففي الآيات التالية التي تصف لنا الحال يوم القيامة وهي: } وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً } {فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ }{ وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ } {وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ } { أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ }{ فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ{ 7-12 الواقعة
وقد جاء معنى الآية في تفسير ابن كثير الآتي: }وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَـٰثَةً } أي: ينقسم الناس يوم القيامة إلى ثلاثة أصناف: قوم عن يمين العرش، وهم الذين خرجوا من شق آدم الأيمن، ويؤتون كتبهم بأيمانهم، ويؤخذ بهم ذات اليمين، وقال السدي: وهم جمهور أهل الجنة، وآخرون عن يسار العرش، وهم الذين خرجوا من شق آدم الأيسر، ويؤتون كتبهم بشمالهم، ويؤخذ بهم ذات الشمال، وهم عامة أهل النار ــــ عياذاً بالله من صنيعهم ــــ وطائفة سابقون بين يديه عز وجل، وهم أخص وأحظى وأقرب من أصحاب اليمين الذين هم سادتهم، فيهم الرسل والأنبياء والصديقون والشهداء، وهم أقل عدداً من أصحاب اليمين. أما الآيات التالية: ( ثمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَاتِ بِإِذُنِ ٱللَّهِ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ) 32 فاطر، فقد أوضح معناها الحديث التالي: عن أبي الدرداء رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” قال الله تعالى: { ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَـٰلِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَٰتِ بِإِذْنِ ٱللهِ } فأما الذين سبقوا، فأولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب، وأما الذين اقتصدوا، فأولئك الذين يحاسبون حساباً يسيراً، وأما الذين ظلموا أنفسهم، فأولئك الذي يحبسون في طول المحشر، ثم هم الذين تلافاهم الله برحمته، فهم الذين يقولون: { ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِىۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ٱلَّذِىۤ أَحَلَّنَا دَارَ ٱلْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ ( “. وهنالك الكثير والكثير من الآيات التي وصفت الفرقة الناجية ولكن بصور مجملة منها الآية: (نَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ). أما الآيات التالية فهي التي أوضح الله فيها الفئة الناجية من الخسر أي من الحساب والعقاب وهي: (والعصر) (إن الانسان لفي خسر) (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) 1-3 العصر. حيث أوضحت أن الفئة الناجية أي المستثنية من الخسر هي فئة: ( الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر). 
وجاء الحديث التالي محدداً للفئة الناجية وهو : عن عوف بن مالك أن النبي صلى الله عليه و سلم قال:”افترقت اليهود على إحدى و سبعين فرقة ، فواحدة في الجنة و سبعين في النار، وافترقت النصارى على اثنين و سبعين فرقة فواحدة في الجنة و إحدى و سبعين في النار، والذي نفسي بيده لتفترقن أمتي على ثلاث و سبعين فرقة ، فواحدة في الجنة و ثنتين وسبعين في النار ، قيل يا رسول الله من هم ؟ قال: هم الجماعة”. 
إذاً يستنتج من الآيات زمن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم أن فرقة (السابقون السابقون) (10 الواقعة) هم (السابقون بالخيرات) 32 فاطر وهم( الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) وهم الجماعة. 
ولما كانت هذه الورقة تهدف لتوضيح الفرقة الناجية اقتضى ذلك معرفة معنى السابقون وصلتهم بالايمان والأعمال الصالحات.
معنى السابقون السابقون
لقد جاء معنى السباق في المعجم العربي كالآتي: السَّبَّاق :الكثير السبق. سَبَّاقٌ إلَى أعْمَالِ الخَيْرِ : مَنْ يُسْرِعُ إلَى أعْمَالِ الخَيْرِ، وَيَكُونُ الأوَّلَ دَائِماً سَبَّاقٌ إلَى الْمَكَارِمِ( إذاً صلة السابقون بالإيمان والأعمال الصالحة هي: إن السابقون هم السباقون الذين آمنوا بالله إلهاً واحداً أحداً وبكتبه ورسله وملائكته واليوم الآخر ثم تسابقوا (تنافسوا) في العمل بالأعمال الصالحات لينالوا رضاء ربهم. فمن كل ذلك تنبع الأسئلة التالية: ما هي أعمال الخير أي الأعمال الصالحات التي هم لها سابقون؟ وكيف تم تحديدهم من باقي الفرق؟ وكيف تم تحديد أهل اليمين وأهل الشمال؟ 
أعمال الخير أي الأعمال الصالحات
إن توضيح أعمال الخير والأعمال الصالحات التي تنافست عليها الفئة الناجية يحتاج لضرب مثال من واقع الحياة ولله المثل الأعلى. والمثال مبني على حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (بني الاسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله‘ واقام الصلاة وايتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً). فالاسلام كالبنيان له قاعدة وله خمسة أركان. ولكن البنيان وبأركانه الخمسة فقط لم يكن بنياناً مكتملاً. واكتمال البنيان يحتاج إذاً لجدران تربط كل ركنين مع بعض ليصير بنياناً شامخاً قوياً محمياً من كل المؤثرات الخارجية. وتحتاج الجدران لمواد من نفس مواد الأركان. ومما هو موجود في حياتنا اليومية نجد أن الأركان تبنى من الأسمنت والطوب والرملة وهكذا. وكذلك الجدران تبنى من نفس المواد. 
فما يستفاد من هذا المثل هو أن أعمال الخير والأعمال الصالحات تنقسم إلى قسمين: قسم أعمال بناء الأركان الرئيسية وقسم أعمال بناء الجدران وهي شعب الإيمان. فشعب الإيمان هي التي يتنافس عليها السابقون السابقون لاكمال بنيانهم بعد أن بنوا الأركان. فما هي مواد الأركان وما هي الشعب التي تبنى منها الجدران؟ وما الفرق بيتنهما؟
أركان الاسلام الخمسة
الأركان الخمسة كما أوضحها الرسول صلى الله عليه وسلم هي: الشهادتين والصلاة والصوم والحج لمن استطاع إليه سبيلاً. ولكل ركن من الأركان له واجبات وسنن. 
الركن الأول: شهادة ( أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) 
إن نطق الشهادة يعني الإعتراف والتصديق والإقرار الكامل بأن نؤمن يقيناً بأن:
أولاً- الله هو خالق ومالك السماوات والأرض وما فيهن وما بينهما وما تحت الثرى. فنؤمن بأنه إلإله الواحد الأحد الذي لا إله غيره ولا شبيه ولا مثيل له ولا والد ولا صاحبة له ولا ولد.
ثانياً- الله وحده المتفرد بأحسن الصفات والأسماء والأفعال فلا يكافئه أحد فيها
ثالثاً- الله وحده المستعان الذي تطلب منه المغفرة والتوبة والسؤال والدعاء لأنه وحده الذي يسمع السؤال والدعاء وطلب المغفرة والتوبة ويستجيب لهم.
رابعاً- الله هو عالم الغيب وحده الذي يعلم السر والجهر. 
خامساً- الله هو الرزاق وحده
سادساً- سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله
سابعاً- الله منزل الكتب السماوية وحده عن طريق املائكة له وأنه مرسل الرسل وحده
الواجبات 
يجب على من آمن يقيناً بالله وكتبه وملائكته ورسله أن:
– يطيع الله ويجتنب الطاغوت ويستعين بالله وحده
– يرد العلم وكل ما اختلف فيه الناس لله وحده
-يعظم القرآن بتلاوته والتدبر في معانيه والتعوذ من الشيطان الرجيم عند تلاوته والإستناط إليه عند سماعه والحفاظ على قرآن الفجر وطلب علمه والتهجد به.
-يوقر الرسول ويعزره وينصره ويطيعه وأن لا يفرق بين الرسل
-يوقر الملائكة ولا يعاديهم
أما السنة فهي تكرار قول لا إله إلا الله مإئة مرة في اليوم وتكرار أقوال الوحدانية(سبحان الله والحمد لله والله أكبر ثلاث وثلاثين مرة بعد كل صلاة) 
الجزء الثاني (الإيمان باليوم الآخر) وواجباته
إن الإيمان باليوم الآخر يعني أن نؤمن بأن: أولاً: جميع المخلوقات سوف تفنى ولن يبقى غير الله سبحانه وتعالى. ثانياً: الله سيحي الموتى في ذلك اليوم ويحاسبهم على أعمالهم. ثالثاً هنالك جنة قد جعلها الله جزاءً للذين آمنوا وأن هنالك ناراً قد جعلها الله عقاباً للذين كفروا.
الواجبات 
إن من يؤمن باليوم الآخر يجب عليه أن:
– يؤكد إيمانه عملاً أي بالعمل بجميع أوامر الله وسنة رسوله الكريم. 
أما السنة فهي الدعاء لله للنجاة من النار وطلب الدخول للجنة باستمرار
الجزء الثالث: الإيمان بالأقدار خيرها وشرها وواجباته
إن الإيمان بالأقدار يعني أن نؤمن يقيناً بأن الأقدار خيرها وهي النعم والأقدار شرها وهي المصائب من الله كما نؤمن بأن الأقدار(خيرها وشرها) هي ابتلاء أي امتحان لتحديد الخبيث من الطيب
الواجبات
يجب على كل من يؤمن بأن الأقدار خيرها وشرها أن: أولاً يرضى بجميع الأقدار خيرها وشرها
ويصبر عليها شكراً لله. ثانياً يزهد في زينة الحياة الدنيا فلا يسرف منها ويسرف من الباقيات الصالحات.
الركن الثاني: الصلاة وواجباتها 
الصلاة هي ذكر وحمد وعبادة لله لقوله تعالى:  (إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاۤ أَنَاْ فَٱعْبُدْنِي وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِي) 14 طه وبالتالي هي استحضار لله في القلب وعدم نسيانه. وقد فرضها الله لتكون أول اختبار للذين أعلنوا إيمانهم لتمييز الخبيث (المنافق) الذي يعلن إيمانه رئاء الناس من الطيب (المؤمن حقاً) والصلاة هي أفعال وأقوال. فالأفعال هي تكبيرة الاحرام بوضح اليدين محازاة للأذنين والركوع والقيام منه والسجود مرتين وهكذا. والأقوال هى قول الله أكبر، قراءة جزء من القرآن، ربنا ولك الحمد، قول سبحان الله العظيم و…الخ وللصلاة عدد معلوم في اليوم وهو خمس صلوات تفاصيلها كالآتي: 
– ركعتين في الصبح 
– أربعة ركعات في الظهر ما عدا يوم الجمعة الذي فيه يصليها الناس جماعة في المساجد.
فتصلى ركعتين تسبقهما خطبتان
– أربعة ركعات في العصر 
– ثلاثة ركعات في المغرب
– أربعة ركعات في العشاء
الواجبات
يجب على كل مؤمن عند صلاته أن:
– ينوي آداء الصلاة التي يحين وقتها
– الوضوء بالماء عند كل صلاة وللوضوء فرائضه وسننه ومستحباته أيضاً. وإذا لم يوجد الماء فعلى المصلي أن يتيمم صعيداً طاهراً
– يأخذ زينتة عند كل صلاة
– يستقبل القبلة وهي المسجد الحرام.
– يبدأ الصلاة بتكبيرة الإحرام
– يعتدل ويخشع في صلاته ولا يلتفت يميناً وشمالاً ويمتنع الكلام عدا التسبيح والتكبير والحمد وقراءة القرآن 
– يؤدي الركوع والسجود والجلوس وقراءة التشهد. 
أما سنن الصلاة فهي: صلاة ركعتين في الفجر قبل صلاة الصبح وصلاة الوتر وهي ركعة أو ثلاث أو خمس أو….بعد صلاة العشاء وركعتين بعد شروق الشمس وأربع ركعات قبل صلاة الظهر وركعتين بعده وركعتين قبل صلاة العصر وركعتين قبل صلاة المغرب وركعتين بعده
الركن الثالث: الصيام وواجباته وسننه
المقصود بالصيام هو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع والكلام البذيء واللغو أثناء النهار ابتداءً من الفجر وإلى مغيب الشمس كل يوم لمدة شهر كامل وهو شهر رمضان. 
الواجبات
يجب على كل مؤمن يريد صيام رمضان أن ينوي أولاً صيام الشهر كله أو ينوي الصيام كل يوم . ثانياً يصوم بالنهار ويأكل ويشرب بالليل أي من مغيب الشمس وإلى أن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر وثالثاً جبر ما نقص من صيامه أثناء شهر رمضان نتيجة السفر أو المرض بصيام أيام أخر من الشهور الأخرى.
أما سننه فهي: صيام ثلاثة أيام من كل شهر أو صوم يومي الاثنين والخميس من كل اسبوع. ثانياً صوم يوم عرفة ثالثاً صوم عاشوراء ورابعاً صوم ليلة النصف من شعبان.
الركن الرابع: الزكاة وواجباتها وسننها
الزكاة هي مبلغ محدد يؤخذ من أموال المؤمنين التي بلغت النصاب وحال عليها الحول دون الحاجة إليها. وتعطى الزكاة للفقراء والمساكين وابن السبيل والسائلين والغارمين والعاملين عليها. كما تؤخذ الزكاة أيضاً بنسب محددة من المحاصيل ومن الأنعام ومن الذهب والفضة إذا بلغوا النصاب وحال عليهم الحول.
الواجبات 
من واجبات الزكاة أن يتصدق باستمرار من مال الله الذي آتاه إليه سراً وعلانية من غير منِّ ولا أذى. ومن سننها دفع زكاة الفطر وهو مبلغ محدد من المال يدفعه المؤمن في شهر رمضان. والمستحب إخراجها في آخر ليلة من رمضان. ومن لم يستطع إخراجها في الليل عليه إخراجها قبل صلاة العيد وتسقط بعد الصلاة
الركن الخامس: الحج لمن استطاع إليه سبيلاً وواجباته
الحج هو شد الرحال لبيت الله المعظم بمكة لآداء مناسكاً محددة. فهو لا يجب إلا على المؤمن العاقل المقتدر الذي لديه المقدرة المالية أي إنه خالٍ من الديون ولديه أيضاً المقدرة البدنية
أي إنه قوي البنية يمكنه تحمل مشاق السفر. وللحج أربعة أركان هي الإحرام والسعي بين الصفا والمروة والوقوف بعرفة وطواف الإفاضة. ولكل ركن من أركان الحج واجبات.
الواجبات
يجب على كل حاج : أولاً الطواف بالبيت المعظم سبعة أشواط. ثانياً السعى سبعة أشواط بين الصفا والمروة. ثالثاً: رمي الجمرة الكبرى يوم النحر ثم النحر وحلق الشعر أو تقصيره رابعاً: رمي الجمار لمدة ثلاثة أيام أو أربعة مع ذكر الله المستمر فيهن. خامساً ذكر الله عند المشعر الحرام وإلى انتهاء مناسك الحج. سادساً إتمام العمرة إلى الحج وينحر هدياً في حالة نقص أي واجب من الواجبات أو الخطأ فيه إلا عدم الوقوف بعرفة فلا شيء يجبره ويسقط الحج
شعب الإيمان 
إن معنى الشعب يمكن الوصول إليه من تشبيه البخاري للاسلام بالخباء وتشبيه شعب الإيمان بالأوتاد. حيث أوضح في تشبيهه هذا أن الخباء تقوم على محور وهو العمود الذي يكون المرتكز الذي تقوم عليه الخباء ثم تنصب أربعة أعمدة أخرى لتقوم عليها الخباء. ثم قال البخاري أن الخباء بوضعها هذا تكون ضعيفة تنال منها الرياح وتقتلعها. ولهذا تحتاج لتثبيت. وأن ما يثبتها هو الأوتاد في جوانب الخباء الأربعة. فخباء الاسلام إن تركت دون تثبيت فسوف تقتلعها رياح إبليس اللعين. ولهذا تحتاج لتثبيت بالأوتاد وأوتاد خباء الاسلام هي شعب الإيمان.
إذاً معنى شعب الايمان هو: الأعمال التي تثبت المؤمن على إيمانه أي التي يكتمل بها اسلام المؤمن وايمانه فيزداد بها قوة وثبوتاً وشموخاً لقوله تعالى: (يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ) 27 إبراهيم
وقد جاء في رسالة سيدنا عمر بن عبد العزيز إلى واليه عدي بن عدي توضيح للأعمال 
التي تزيد الايمان والاسلام وهي: ( إن للإيمان فرائض وشرائع وحدوداً وسنناً فمن استكملها استكمل الإيمان ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان. فإن أعش فسأبينها لكم حتى تعملوا بها وإن مت فما أنا على صحبتكم بحريص). فما هي فرائض الإيمان وشرائعه و حدوده وسننه التي يستكمل بها المؤمن إيمانه وإسلامه؟
إذا الذي يزيد الايمان ويثبته هو تكرار المثاني المؤكدات ومثبتات للوحدانية التي هي أقوال
وأفعال لما ورد في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم:: (الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً , فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ , وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ , وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ( . وقد اجتهد الكثيرون في استخراج الشعب. فبالرغم من اختلافهم في بعض الشعب إلا أنهم قد أعطوا الفكرة عن العمل بالأعمال الصالحات. وتقديري للشعب يبدأ بتكرار أقوال آيات الفاتحة السبع اللاتي هن أم المثاني أي أم المثبتات للإيمان كالآتي:
1-الذكر قولاً وعملاً: فالذكر قولاً هو تكرار قول “بسم الله الرحمن الرحيم” بصورة خاصة في بداية كل قول وعمل وتكرار كل قول فيه اسم الله بصورة عامة : كتكرار “سبحان الله” و”الحمد لله” و”لا إله إلا الله” و”الله أكبر” و”لا حول ولا قوة إلا بالله” و”حسبي الله ونعم الوكيل” و”أعوذ بالله من الشيطان الرجيم” و”توكلت على الله رب العالمين”، وقول “إن شاء الله” عند النية لعمل أي شيء و… فكل قول يذكر فيه اسم الله ويراد به وجهه سبحانه هو ذكر له وتوحيد مطلق. وأفضل الذكر توحيداً وقولاً هو قول “لا إله إلا الله” لأنه التوحيد المطلق بصريح العبارة. والذكر عملاً يكون بتكرار النوافل كزيادة الصلاة والصدقات والصيام وأداء العمرة والحج وكل الأعمال الصالحة الأخرى وهكذا.
2-الحمد لله رب العالمين قولاً وعملاً. والحمد قولاً هو تكرار قول الحمد لله بصورة خاصة وكل أقوال الذكر بصورة عامة لأن كل الأقوال التي هي ذكرلله هي أيضاً حمد له. والحمد عملاً هو تكرار العمل بأي من الأعمال الصالحة. فتكرار كل عمل مأمورين به هو ذكر وحمد وعبادة وتقوى وهدى وإيمان واسلام. 
3-الحمد للرحمن الرحيم قولاً وعملاً: وهو تكرار قول الحمد للرحمن الرحيم بصورة خاصة وتكرار كل الأقوال التي فيها ذكر الله بصورة عامه. وعملاً هو تكرار الأعمال باستمرار 
4-الحمد لمالك يوم الدين قولاً وعملاً: وهو تكرار الحمد لمالك يوم الدين بصورة خاصة وتكرار كل الأقوال والأعمال بصورة عامة لأنها كلها حمد وذكر.
5-عبادة الله والاستعانة به قولاً وعملاً: وهو تكرار ألفاظ العبادة وهي سبحان الله واستغفره أو
تبارك الله بصورة خاصة وتكرار الأقوال والأعمال الصالحة بصورة عامة لأن جميعها عبادة 
واستعانة بالله 
6- طلب الهداية للصراط المستقيم قولاً وعملاً: وهو تكرار الدعاء لله والاستعانة به للثبات على الصراط المستقيم بصورة خاصة وتكرار كل الأقوال والأعمال الصالحة لأن جميعها هو هدىً وهو سير في الصراط المستقيم
7-طلب صراط الذين أنعم الله عليهم وعدم طلب صراط المغضوب عليهم ولا الضالين: وهو تكرار طلب صراط الرسل والانبياء والاجارة بالله من صراط المغضوب عليهم والضالين بصورة خاصة وتكرار كل الأقوال والأعمال الصالحات بصورة عامة لأن جميعها دعاء واستعانة وذكر 
وهدى وعبادة.إذاً تكرار أي واحدة من هذه الأقوال السبعة مع تكرار الأعمال الصالحة كالصلاة أو الصيام أو…يكفي وعليه يمكن اختيار أفضل الذكر لا إله إلا الله ليكون أول شعب الايمان كما جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم.
1-تكرار قول لا إله إلا الله أو أي قول من أقوال الوحدانية سراً وعلانية رغبة ورهبة
2-الجهاد في سبيل الله
3-الخوف من الله وتقواه بطاعته
4-الحب في الله والبغض فيه
5-قول الخير أو الصمت
6-طلب العلم
7-قول شهادة الحق وعدم قول الزور
8-السواك قبل صلاة الفجر
9-سجود القرآن 
10-سجود السهو 
11-صلاة الاستخارة
12-الغسل بعد الجماع أو التيمم إن لم يوجد الماء
13-الأزكار( تكرار كل من التكبير والحمد والتسبيح لله 33 مرة بعد كل صلاة فرض، وأزكار الصباح والمساء وعند النوم وعند دخول الحمام و…)
14-الدعاء (دعاء السفر، دعاء السوق، دعاء ليلة القدر، دعاء الدين…)
15-النهي عن الرشوة
16-أن يحب المؤمن لأخيه ما يحب لنفسه ويكره له ما يكرهه لنفسه
17-إكرام الضيف
18-تشميت العاطس
19-الحياء
20-إفشاء السلام 
21-عدم التخاصم فوق ثلاث ليالي 
22-عيادة المريض
23-الصلاة على الميت ودفنه والدعاء له وذكر محاسنه
24-تبسم المؤمن في وجه أخيه المؤمن
25-دفع الأجر لمن يعمل العمل
26-إتقان المؤمن لعمله
27-الإقامة والآذان وما يقال عند سماعه
28-ارتياد مجالس الذكر
29-قبول الهدايا وتلبية الدعوة
30-أمر الصبي بالصلاة لسبع وضربه لعشر
31-توقير الكبير ورحمة الصغير
32- التعاون على البر والتقوى والتناجي بهما
33-عدم اتيان الفواحش ما ظهر منها وما بطن 
34-غض البصر وستر العورة الذي يشمل الحجاب للمرأة وإخفاء زينتها
35- النهي عن قتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق 
36- النهي عن السرقة وعدم أكل أموال الناس بالباطل
37- النهي عن السخرية من الآخرين 
38- النهي عن القنوط من رحمة الله
39- العدل والإحسان والقسط وعدم البغي والفحشاء والمنكر 
40- دفع السيئة بالحسنة 
41- آداء الأمانات لأهلها
42- الوفاء بالعهود 
43- الوفاء بالعقود 
44- كظم الغيظ والعفو عن الناس
45- الصدق
46- عدم الغدر والخيانة
47- عدم أذى المؤمنين والمؤمنات من غير ما احتملوا من الإثم
48- التواضع وعدم الكبر
49- عدم الغيبة والنميمة
50- عدم التنابز بالألقاب ولمز النفس
51- رد التحية بمثلها أو بأحسن منها 
52- اجتناب الرجس من الأوثان واجتناب قول الزور
53- مجالسة المؤمنين واتخاذ ولايتهم واجتناب ولاية الذين يتخذون الدين هزواً ولعباً
54- إطعام اليتيم والإحسان إليه 
55- عدم أكل أموال اليتامى وردها إليهم عند بلوغهم الرشد.
56- الإنفاق والتصدق على المحتاجين سراً وعلانية بدون منٍّ ولا أذى
57- الإحسان إلى الفقراء والمساكين
58- التآخي والتوادد إعتصاماً بحبل الله ليكونوا عباد الله إخواناً
59- التناصح ( الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)
60- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
61- القصاص بالمثل ولكن الخير في العفو
62- إكرام الجار
63- صلة الرحم
64- بر الوالدين 
65- الإحسان إلى ذوي القربى 
66- العدل ( كالقسط مع نساء اليتامى وعدم نشوز الزوج أو الزوجة، والمساواة بين الأبناء وعدم قتل الأبناء خشية الإنفاق وترك الأبناء أغنياء خير من تركهم عالة يتكففون الناس)
67- النفقة والكسوة على السفهاء وعدم إيتائهم الأموال التي جعلها الله قياماً عليهم
68- الوصية عند الموت بالمعروف للوالدين والأقربين
69- إعتزال النساء في المحيض
70- الاعتكاف في رمضان
71- النهي عن الجدال والفسوق في الحج 
71- إستئذان الذين لم يبلغوا الحلم وما ملكت الأيمان للدخول على الوالدين ثلاثة مرات في اليوم
72- إماطة الأذى عن الطريق
الحدود
الحدود نوعان: النوع الأول هو الحدود والضوابط التي وضعها الله في بعض العلاقات الزوجية فالمؤمن الذي تمر عليه تلك الأمور يجب عليه أن لا يتعدى حدود الله. أما الذي لم تحدث له تلك الأحداث فلا يحتاج إليها. والنوع الثاني هو العقوبات التي يجب تطبيقها على جرائم محددة. وهي ايضاً حدود تطبق على بعض الناس ولا تقع على كل الناس. لذا نجد أن الحدود والعقاب على تركها أو الجزاء لمن عمل بها تخص هؤلاء الأفراد الذين واجهتهم تلك الأمور. وحدود النوع الأول هي: 
1- الطلاق مرتان إلا في حالة الخوف بألا يقيما حدود الله مما يستوجب الخلع وهو أن تفتدي لنفسها من زوجها.
2- الطلاق للعدة وإحصاء العدة (ثلاثة قروء) وعدم خروج المطلقة من بيتها إلا إذا جاءت بفاحشة مبينة.
3- الكفارة لمن ظاهر زوجته وأراد الرجوع إليها
4- كفارة اللغو في الأيمان
5- كفارة القتل غير العمد
6- العدة (عدة المتوفى عنها زوجها (أربعة أشهر وعشر) والإيلاء أربعة أشهر فقط.
7- تقسيم الميراث حسب الشرع
8- اعتذال النساء عند الاعتكاف في رمضان 
9- نكاح الأيامى فقط والصالحين من الإيماء ونكاح الفقراء
10-الإيلاء وهو أربعة أشهر فالرجوع بعده أو الطلاق
أما النوع الثاني فهو العقوبات وكأمثلة له:
1-حد السرقة
2-حد الزنى 
إذاً نجد أن مجموع شعب الايمان (الفرائض والسنن والشرائع) المثبتات للإيمان هو 73 شعبة بالإضافة إلى أركان الايمان الخمسة 
الفئة الناجية
لقد أوضح الرسول صلى الله عليه وسلم أن كل عمل يعمله المرء يكسب به حسنة وكل حسنة لها درجة. فلو افترضنا أن مجموع الدرجات هو 100 درجه. نصفها للأركان ونصفها للشُعب، نجد أن أهل الأعراف هم الذين عملوا بالأركان الخمسة ولم يزيدوا عليها شيئاً من الشعب وبالتالي كانت درجاتهم التي اكتسبوها هي 50 درجة. وأن من زاد على أهل الأعراف ولو بدرجة واحدة يدخل في زمرة أصحاب اليمين الذين رجحت أعمالهم الحسنة كفة الميزان. فتفاوتت درجات أهل اليمين ما بين 51 إلى 100 درجة. أما من نقصت درجاته من درجات أهل الأعراف ولو بدرجة واحدة يدخل في زمرة أصحاب الشمال الذين رجحت أعمالهم السيئة كفة الميزان. وتتراوح درجاتهم من 1 درجه (وهي التي نالوها بقول لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ولم يعملوا بأركان الاسلام الخمسة) فتراوحت درجاتهم من 1-49 درجة.
إذاً كل من يزيد على درجات أصحاب اليمين ولو بدرجة واحدة فاكتسب من 73 درجه فما فوقها فهو من الفئة الناجية. وعليه تتفاوت درجات الفئة الناجية من 73 إلى 100 درجة. وهو معنى قوله تعالى: ( لِكُلٍّ دَرَجَٰتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) 132 الأنعام
إذاً الفئة هي التي وصفها الله سبحانه وتعالى بقوله: (ان يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ ٱلصَّالِحَاتِ فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَاتُ ٱلْعُلَىٰ) 75 طه. وقد سمت بعض الآيات بعض الفئات التي سابقت بالخيرات وهي الآية: (وَٱلسَّابِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنْصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ) 100 التوبة. والآية: (لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ ٱللَّهِ آنَآءَ ٱللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ)
 يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ وَأُوْلَـٰئِكَ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ ) 113-114 آل عمران
وبناءً على تلك الآيات نجد أن الفئة الناجية هي فئة الرسل والأنبياء ومن اتبعهم بأحسن رضوان ويدخل فيها السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار بالاضافة إلى مجموعة من أهل الكتاب هم الذين آمنوا برسالة سيدنا محمد وعملوا بجميع الأعمال بالاضافة إلى إيمانهم بالرسالات الأخرى. كما يدخل في الفئة الناجية كل من يؤمن بالله ورسوله ويعمل بأركان الإيمان وشعبه جميعاً إلى يوم الدين. 
وأود أن أوضح أن حسابات الله سبحانه وتعالى تختلف حيث أن الحسنة بعشر أمثالها. وأن الدرجات عنده ربما كانت مضاعفة وهكذا. فما وضعته من درجات كان لتقريب فهم كيفية إنقسام الأمة إلى 73 فرقة بناءً على درجات الشُعب تارة باعتبار أن الأركان ملزمة وأن التفاوت والانقسام يحدث في الزيادة أي في الشعب. فمنهم من نال 73 درجة وهي أعلى الدرجات ومنهم من نال درجة واحدة وهي الشهادة فقط والله أعلم من قبل ومن بعد. فهل كل الذين ينتمون للفرقة التي تسمى بأهل السنة والجماعة يعملون بكل الشعب وبالتالي جميعهم من الفئة الناجية أم أن هنالك القليل منهم من ينتمي إلى الفئة الناجية؟ وينطبق هذا السؤال على كل التيارات الاسلامية.


لمعرفة المزيد http://takhatub.ahlamontada.com/t11230-topic#ixzz40gSBoSqC

القضاء والقدر

كيف بدأ الله الخلق

مقدمة

    سوف نطلق عقولنا لتجول في كل ما أنزل إلينا في الأرض من أخبار وننظر في كل ما هو موجود حولنا لنصل إلى بداية الخلق كما أمرنا في الآية:{ قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِىءُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلآخِرَةَ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} 20 العنكبوت. فالسير في الأرض ليس هو سيراً على الأقدام وإنما هو التفكر واالنظر فيما جاءنا في القرآن ولأحاديث وفيما هو مخلوق. إذاً شبه الله التجوال عقلاً بالعقل بالسير بالأقدام. أي إنه  استعارة تشبيهية، حيث إن السير بالأقدام في الأرض أولاً: لم ولن يحقق المطلوب وهو معرفة كيف بدأ الله الخلق. وثانياً ليس في استطاعة كل البشر الشير في الأرض للبحث عن الحقيقة وقد جاءت الآية ملزمة لكل مخلوق مما يشير إلى سهولة الأمر والله أعلم. بذا سوف نتفكر في كل ما وصلنا من أخبار عن بداية الخلق سواء أن كان في القرآن أو الأحاديث أو القصص. هذا بالإضافة للنظر فيما سنجده من حولنا من معلومات تساعد على الوصول لبداية الخلق. ومن المعلومات التي تم جمعها وتفكرنا فيها هي: إن البداية كانت فكرة لمشروع الخلق. ثم بدأ التنفيذ لتلك الفكرة بتخطيط محكم دام خمسين ألف سنة. وهذا التخطيط المحكم لتنفيذ مشروع إلهي قد سمي بأول الأمر ومن ثم تم تنفيذ جزء كبيرالمشروع   وما زال تنفيذه متواصل إلى أن يرث الله الأرض وما عليه

     لقد بدأ الله الخلق أول ما بدأه بفكرة: وهي أن الله عندما كان وحده ولم يكن معه شيء وعرشه على الماء أحبَّ أن يخلق خلقاً من أجل أن يعرفونه بناءً على الحديث القدسي: قال الله تعالى:{كنت كنزاً مخفياً، فأحببت أن أُعْرَف، فخلقت الخلق، فتعرفت إليهم، فبي عرفوني}. فكان الهدف الأول من الفكرة هو معرفة الله وتوحيده حيث جاء في الآية:{وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} 56 الذاريات. إذاً بداية الخلق كانت فكرة لمشروع متكامل نسبة لأن الخلائق تحتاج لمأوى ولكل ما يحتاجونه لعبادة الله.

ثانياً: بداية تنفيذ مشروع الخلق

     لقد أوضح معظم العلماء في تفسيرهم للآية:  {وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً  وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ ٱلْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ}7 هود أن أول الأمر هو وجود الله وحده ولم يكن معه شيء، وأن الله قد خلق السماوات والأرض وعرشه على الماء. كما أوردوا بعض الأحاديث التي تبيِّن أن الله قد قدَّر مقادير الخلائق قبل خمسين ألف سنة من خلق السماوات والأرض. وقد أدت هذه الأحاديث إلى كثير من الأفكار التي ليس لها سند كوجود خلق سابق أزلي.

وقد اشتمل تفسير ابن كثير للآية 7 هود على كل كثير من تلك الأحاديث. لذا يتم تحديد أهم ما ورد في تلك الأحاديث وتحليلها للوصول لأول الأمر.إن اول حديث يتم تحليله هو حديث عمران بن حصين الذي أوضح فيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم

سئل عن أول الأمر فقال: ( كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، ثم خلق السموات والأرض)  هذا الحد يؤكد أن الله لم يكن قبله ولا معه شيء أي أن كل ما هو موجود مع الله هو عرشه والماء واللوح والقلم ليكتب بهما ذكر كل شيء.  فالسؤال الذي يخطر على الذهن هو: ما المقصود بعبارة (كتب ذكر كل شيء) التي يشير فيها قول ” كل شيء” إلى وجود أشياءً كثيرة قد كتب الله ذكرها في اللوح المحفوظ وفي نفس الوقت لم يكن مع الله شيء غير عرشه؟ أحسب أن الإجابة عن هذا السؤال تكمن في حقيقة أن أول الأمر هو عبارة عن تخطيط محكم لخلق الخلق وخلق كل شيء يحتاجونه لعبادته. وبعد ذلك كتب الله ذكر كل كبيرة وصغيرة تم التخطيط لها في اللوح المحفوظ. والحديث التالي: (إن الله  قدر مقادير الخلائق قبل خلق السماوات والأرض وكتب في الذكر كل شيء) يشير إلى أن التخطيط قد شمل المقادير التي قدرت للخلائق قبل خلقها وقد كتبت أيضاً في اللوح المحفوظ.

وإذا تجولنا بعقولنا في معاني الأحاديث الثلاثة الآتية التي ذكرها ابن كثير في قصص الأنبياء نجدها خير دليل وبرهان على أن ما تمت كتابته في اللوح المحفوظ هو التخطيط لمشروع خلق الخلق. الحديث الأول هو: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” حاج موسى آدم عليهما السلام، فقال له :أنت الذي أخرجت الناس من الجنة بذنبك وأشقيتهم، قال آدم: يا موسى أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه،  تلومني على أمر قدر عليّ قبل أن أخلق؟، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” فحج آدم موسى، فحج آدم موسى” مرتين. حيث يشير هذا الحديث إلى أن الخطيئة التي ارتكبها أبونا آدم قد قدرت له أي كان مخطط لها قبل أن يُخلق. وأحسب أن القصد من وراء التخطيط لارتكاب أبينا آدم للخطيئة هو تعليم بني آدم كيف ترتكب الخطيئة وكيف يتم التوبة عنها.

والحديث الثاني: عن عمر بن الخطاب قال:  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { لما اقترف آدم الخطيئة  قال : يا رب أسألك بحق محمد إلاغفرت لي} فقال له الله وكيف عرفت محمداً ولم أخلقه بعد؟ فقال “يا رب لأنك لما خلقتني بيديك ونفخت في من روحك، رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوب لا إله إلا الله محمداً رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك…” فسؤال المولى عز وجل لأبينا آدم ” وكيف عرفت محمداً ولم أخلقه بعد “، يؤكد عدم وجود بشر قبل خلق أبينا آدم. كما أن كتابة “لا إله إلا الله  محمداً رسول الله” على قوائم العرش تشير إلى أن هنالك تخطيط إلهي قد كتب على اللوح المحفوظ قبل تنفيذه. وهذا توكيد لقول الرسول صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى: ( كان الله قبل كل شيء، وكان عرشه على الماء وكتب في اللوح المحفوظ ذكر كل شيء).

أما الحديث الثالث فهو:( إن الله كان عرشه علـى الـماء، وخـلق السموات والأرض بـالـحقّ، وخـلق القلـم فكتب به ما هو خالق وما هو كائن من خـلقه، ثم إن ذلك الكتاب سبح الله ومـجده ألف عام قبل أن يخـلق شيئا من الـخـلق) الذي يشير إلى أن الفترة بين نهاية كتابة كل المخطط له وبين تنفيذ المخطط هي ألف عام وهي الفترة التي ظل الكتاب يسبح لله فيها قبل التنفيذ مما يؤكد أن الأمر كان تخطيطاً والله أعلم.

من هنا ينبع السؤال التالي: كيف يتأتى لنا معرفة التخطيط الذي وضعه الله قبل خمسين ألف سنه من خلق السماوات والأرض؟ وقبل إن تتم الإجابة عن هذا السؤال لابد من معرفة الفرق بين تخطيط البشر وبين تخطيط الإله عن طريق تعريف كل منهما وصفاته. ومن ثم توضيح كيفية استنباط أول الأمر أي التخطيط الإلهي لخلق الخلق والوصول إليه.

أ- تعريف التخطيط  البشري

   إن  التخطيط  البشري هو: “وضع تصور دقيق لإنشاء شيء ما بهدف محدد ووضع تقدير للزمن وللموارد المالية والبشرية التي يحتاجها تنفيذ ذلك الشيء المخطط له. بالاضافة إلى تحديد المكان الذي سيتم فيه التنفيذ.  ولكن التخطيط البشري مبني على تقديرات فقط يشوبها الخطأ بالإضافة لعدم معرفة الأمور الغيبية التي تؤثر في تلك التقديرات. وكمثال لذلك ارتفاع الأسعار المفاجيء بدرجة كبيرة  فترتفع معها أجور العاملين مما يجعل كثير من التخطيطات لايتم تنفيذها أو يتأخر تنفيذها عن الزمن المحدد لها وهكذا.

ب- تعريف التخطيط الإلهي

    إن تخطيط الاله هو تخطيط محكم لا يشوبه خطا ولا نقصان لأن الله مكمل. ولهذا لا رجعة ولا تغيير فيه لأن الرجوع عن التخطيط وتغييره يحدث نتيجة خطأ ونقص والخطأ والنقص من صفات الخلائق. كما أن تنفيذ تخطيطه لا يحتاج إلى زمان ولا مكان ولا مال ولا عمالة، بل كل ما يحتاجه هو قول كلمة كن فيكون لقوله تعالى:{بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ}117 البقرة

ج- كيفية استنباط أول الأمر أي التخطيط

        يمكن استنباط ما خططه المولى عزَّ وجلَّ من الآيات القرآنية والسير بالعقل في معانيها بناءً على حقيقة “إن كل ما خططه الإله لم يرجع فيه ولم يغيره لكماله” وأن كل ما كان في الماضي وما يوجد حالياً  قد كان مخططاً له وتم تنفيذه بقول كن فكان. كما أن ما سيوجد في المستقبل إلى يوم الدين هو تخطيط أيضاً وسيتم تنفيذه بقول “كن فسيكون”. والدليل على إمكانية الوصول لتخطيط الإله هو الحديث التالي:عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ” قال الله عز وجل: أنفق أنفق عليك ” وقال: “يد الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار. وقال: (أفرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض؟ فإنه لم يغض ما في يمينه، وكان عرشه على الماء، وبيده الميزان يخفض ويرفع) الذي يشير فيه سؤال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( أفرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض؟) إلى أن ما أنفقه الله منذ خلق السماوات والأرض هو ما خططه قبل خمسين ألف سنه وعرشه على الماء وبيده الميزان يخفض ويرفع.

ثالثاً: أول الأمر كاملاً لفهم الرسالة

     إن توضيح أول الأمر يعني توضيح التخطيط لخلق كل شيء والقصد منه وما ترتب عليه.

1- التخطيط والقصد منه وما ترتب عليه

1-أ   خلق الخلائق

1-أ-1 التخطيط

       لقد خطط الله لخلق ثلاثة أنواع مختلفة من الخلائق: نوع من نور وهم الملائكة. ونوع من تراب وهم الإنس ونوع من النار وهم الجن لما جاء في قوله تعالى:{خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَٱلْفَخَّارِ}{ وَخَلَقَ ٱلْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ}14-15 الرحمن.  أما خلق الملائكة من نور فقد أخبرنا به الحديث التالي:عن عائشة رضي اللهُ عنها قالت: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: “خلقت الملائكة من نور. وخلق الجان من مارج من نار. وخلق آدم مما وصف لكم”

1-أ-2 القصد من خلق الخلائق

    إن القصد من خلق الخلائق هو عبادة الله وعمارة الأرض وأن يكونون فيها خلائف بقوله تعالى:{وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}. وبقوله أيضاً:{هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ فِي ٱلأَرْضِ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلاَ يَزِيدُٱلْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً وَلاَ يَزِيدُ ٱلْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَسَاراً }39 فاطر. أما الملائكة فقد تعددت المقاصد من خلقهم وهي: عبادة الله أولاً لقوله تعالى:{ فَإِنِ ٱسْتَكْبَرُواْ فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُمْ لاَ يَسْئَمُونَ} 38 فصلت. وقوله أيضاً:{ تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ وَٱلْمَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي ٱلأَرْضِ أَلاَ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ}5 الشورى. وخدمة عرشه ومملكته لقوله تعالى:{ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ}7 غافر. وقد كانت خدمة المملكة متمثلة في الآتي: أن يكونوا رسلاً بين السماء والأرض لقوله: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ جَاعِلِ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً أُوْلِيۤ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}1 فاطر. فهم يعرجون لله في يوم مقداره خمسين ألف سنة لتدبير الأمر بين السماةوات والأرض{ تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ}4 المعارج. ومنهم من سيكون مسئولاً عن تنزيل المطر والأرزاق من السماء للخلائق ومنهم من يقبض الأرواح وهك

ا.

معلومات كشفت الغطاء عن المحكم والمتشابه

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

لقد نتجت من تحليل آيات المحكم والمتشابه والمفصل ببعض الأحاديث معلومات كشفت الستار عن المحكم والمتشابه. ومن أجل التركيز فيها سنتقاضى عن تفصيل كل ما كتب في المحكم والمتشابه. وسنكتفي بما يساعد في توضيح المحكم والمتشابه من أراء العلماء. تتلخص هذه المعلومات المهمة  أولاً في صلة آيات الفاتحة بجميع آيات المحكم والمتشابه والمفصل. وثانياً في الاستراتيجية التي نزل بها القرآن.

أولاً: صلة آيات الفاتحة بآيات المحكم والمتشابه

  يستنط من قول الله سبحانه وتعالى:{مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ}[7:آل عمران] أن الآيات المحكمات هن آيات الفاتحة السبع لأن الفاتحة هي أم الكتاب بناءً على حديثي الرسول صلى الله عليه وسلم  التاليين: عن أبي هريرة رضي الله عنه1 عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “هي أم القرآن وهي السبع المثاني وهي القرآن العظيم”. وعن أبي هريرة قال2: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (الحمد لله رب العالمين أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني والقرآن العظيم).وبما إن آيات الفاتحة هن المحكمات أم الكتاب فهن إذاً اللاتي أحكمهن الحكيم الخبير ثم فصلهن بناءً على قوله تعالى:{الۤر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ}[1:هود] .

وأذا تتبعنا آيات سورة هود نجدها تتحدث عن عبادة الله وحده والاستعانة به وحده وعن انقسام الأمم  إلى مؤمن وكافر. وأن الله مبتلي العباد وعنده رزقهم وأن المؤمن له جزاؤه وللكافر عقابه. ثم ضرب الله مثلاً للمؤمن بالأصم والأعمى وللمؤمن بالسميع البصير. وسرد قصص الأمم مع رسلهم. وإذا تتبعنا أي سورة من سور القرآن الأخرى نجدها تحتوي على نفس المواضيع التي تحتوي عليها سورة هود. إذاً محتوى الآيات التي أحكمت هو نفس محتوى سورة هود لقوله تعالى{الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير}[1:هود]

ثانياً: استراتيجية تنزيل القرآن

   إن استراتيجية تنزيل القرآن التي كشفت أسرار المحكم والمتشابه قد كان مصدرها تحليل حديث بليغ للسيدة عائشة رضي الله عنها قد وزد فيه لفظ المفصل وهو:( إن أول ما نزل منه  سورة من المفصل فيها  ذكر الجنة والنار، حتى إذا أثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر لقالوا: لن ندعو الخمر أبداً ، ولو نزل: لا تزنوا  لقالوا:لن ندع الزنى أبداً ). وعند تحليل الحديث اتضح الآتي

من قول السيدة عائشة: “إن أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا أثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام” استنتجنا الآتي:

–    إن أول ما نزل من الكتاب هو المحكم أي المجمل المعنى الذي ليس فيه أي معلومات. وبالتالي لم يكن فيه ذكر الجنة والنار. وبنزول أول سورة من المفصل جاء فيها ذكر الجنة والنار. إذاً أنزل أولاً المحكم ثم نزل تفصيله . وبما إن الآية 1 هود قد أخبرتنا أن كل ما أحكم وما فصل هو:{ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ}{ وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعاً حَسَناً إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ}{إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[2-4:هود] إلى آخر آيات سورة هود. وإذا تمعنا في آيات سورة هود نجدها أخباراً عن توحيد الله. إذاً كل سور القرآن المُفصِِّلات لآيات الفاتحة المحكمات هن أحسن الحديث عن الوحدانية وقد جاء فيه ذكر كل شيء (الآية 1 هود). إذاً يحتوي أحسن الحديث على المحكم (آيات قصيرة مبهمة المدلول وهن آيات الفاتحة) وعلى المفصل المتشابه (سور واضحات المعاني والمدلول) وهن يشبهن بعضهن البعض لأنهن يتحدثن عن موضوع واحد هو وحدانية الله. وقد تكرر المعنى في 114 سورة بالرغم من اختلاف الألفاظ.. وقد تكررت الصفات والأفعال بكل اسم.من أسماء الإله وأسماء مكانته لتوضيح أن كل هذه الصفات لذات واحدة فقط.

وقولها: “حتى إذا أثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام” يوضح أن الحلال والحرام لم ينزلا إلا بعد أن أخذت المرحلة الأولى وقتها وأعتنق الناس الإسلام وصارت تقشعر قلوبهم وجلودهم لذكر الله. أي صاروا جاهزين لتقبل أوامر الله وأحكامه. بذا نصل إلى إن المرحلة الأولى هي التي أنزل الله فيها أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني. أي إنها مرحلة الأخبار عن وحدانية الله (أحسن الحديث) التي تخلو من الأحكام.  ثم أنزلت أحكام الحلال والحرام بعد ذلك .

 –   ويشير قول السيدة عائشة: “ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر لقالوا: لن ندع الخمر أبداً…” إلى إن الحلال والحرام اللذان أنزلا بعد أن أثاب الناس للاسلام هما اللذان في مقدور الناس العمل بهما من أول مرة. ومن الحديث التالي: عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:”إن الحلال بيِّن وإن الحرام بيِّن وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات إستبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول ملك حمى وحمى الله محارمه. ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب”  يتضح أن الحلال البين والحرام البين هما اللذن أنزلهما الله في المرحلة الأولى بلفظ واضح وصريح (أحل لكم وحرم عليكم أو لا يحل لكم). أما المتشابهات فهن اللاتي يقع حكمهن بين الحلال البيِّن والحرام البيِّن. فيكون حكمهما لا إلى هذا ولا إلى هذا مما جعل حكم الآية يشتبه على الناس هل هو الحلال أم الحرام كما حدث الالتباس في حكم شرب الخمر عندما فهم بعض الناس أنه يمكنهم صلاة كل الصلوات ومن بعدها يبدأون شرب الخمر والسكر. وفهم آخرون أن الصلاة غير واجبة عليهم وهم سكارى ومجموعة أخرى رأت أن في إمكانها الصلاة مع  شرب الخمر ولكن من غير سكر. وشعر آخرون أن شرب الخمر قد حرم عليهم.

لقد أنزل كتابالأحكام  أيضاً على مرحلتين: مرحلة المحكم من الأحكام الواضحات الدلالة الذي لا لبس فيهن كالفرائض والأوامر والنواهي”كأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة”، وأحكام الحلال والحرام المحكمات أي الواضحات الحكم باللفظ الواضح وصريح “أحل لكم” أو”حرم عليكم” أو “لا يحل لكم”. وحكم العمل بهن فرض في المرحلة الأولى. وأحسب أن السيدة عائشة لم تذكر الأوامر والنواهي وذكرت الحلال والحرام ليتم التركيز على الحلال والحرام حتى يربط الناس بين المتشابهات والحلال والحرام. إذاً المرحلة الثانية وهي مرحلة التدرج في النهي عما أدمنه الناس في الجاهلية من حب الشهوات والعادات السيئة لما قاله صبحي الصالح: “وتدرج في تربية المؤمنين، فلم يزين قلوبهم بحلية الإيمان الصادق، والعبادة الخالصة، والخلق السمح، إلا بعد أن مهد لذلك بتقبيح تقاليدهم الباطلة وعقائدهم الفاسدة شيئاً فشيئاً

لقد أوضحت الاستراتيجية أن الكتاب الكلي قد أنزل على مرحلتين في كتابين جزئيين: كتاب أخبار عن الوحدانية وهو ما أنزل أولاً وكتاب أخبار. وكل كتاب جزئي قد أنزل بدوره على مرحلتين: مرحلة الآيات المحكمات ومرحلة المتشابهات. عليه يحتوي الكتاب الكلي على نوعين من المحكمات: محكمات أخبار ومحكمات أحكام. كما يحتوي على نوعين من المتشابهات: متشابهات أخبار ومتشابهات أحكام.

     ومن هذا المنطلق يمكن توضيح معنى كل نوع من المحكمات ومعنى كل نوع من المتشابهات.

ثانياً: معاني المحكم والمتشابه

1-معنى الآيات المحكمات في كتاب الأخبار

    يتضح من قوله تعالى(هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ) (7 آل عمران) أن  آيات الفاتحة السبع هن الآيات المحكمات لأنهن أم الكتاب بنص الأحاديث النبوية. وبما إن آيات الفاتحة هن المحكمات أم الكتاب فهن إذاً الآيات اللاتي أحكمهن الحكيم الخبير ثم فصلهن (1 هود). ومعنى الآية 1 هود هو: إن كل ما أحكم وفصل لا يخرج معناه من محتوى سورة هود.

إذاً معنى الإحكام  في كتاب الأخبار هو: ( إن كل ما جاء من معلومات في آيات سورة هود وفي آيات كل سور القرآن يوجد داخل كل آية من آيات الفاتحة القصيرات وهذه هي المعجزة بعينها. ولتقريب معنى الإحكام يمكن أن نضرب المثال التالي ولله المثل الأعلى. إن كل آية من آيات الفاتحة كصندوق صغير بداخله متنوعات من الحلي والأموال: أي به أسورة ، عقود، حلقان، خواتم، دولارات وقطع من الماس ومن اللؤلؤ… وكل صندوق محكم القفل يحتوي على نفس الأشياء لا فرق بين محتوياته ومحتويات الصناديق الأخرى أبداً. فلا يمكن معرفة ما بالصناديق إلا بفتحها وتفصيل ما بداخلها. ولكن ما بداخلها لم يكن مرتباً بنفس الترتيب داخل جميع الصناديق. فمثلاً عند فتح الأول كان الماس فوق هذه الأشياء. وعند فتح الثاني ظهرت العقود الذهبية من فوق. وعند فتح الثالث ظهرت النقود  وهكذا. وفي نهاية الأمر كل الصناديق متشابهة المحتوى.وإذاً تمت تسمية الصندوق الأول بالكنز والثاني بالمجوهرات والثالث بالنقود والرابع بالثروة وهكذا. سنجد أن كل هذه المسميات معناها واحد بالرغم من اختلاف ألفاظه

2- معنى المتشابهات في كتاب الأخبار

    إن كل آية من آيات الفاتحة بداخلها ذكر لله بأسمائه وأسماء مكانته وحمداً لله بأسمائه وأسماء مكانته في الدنيا والآخرة وعبادة (تسبيح واستعانة) للإله بأسمائه وأسماء مكانته في الدنيا والآخرة وهدى وصراط مستقيم وهما الأحكام جميعها وصراط المتقين وصراط المغضوب عليهم وما سيناله كل منهم يوم القيامة والقصص والأمثال. ولهذا كانت كل آية بداخلها نفس المعلومات التي بداخل الآيات الأخريات.

       وإذا تمعنا في سور القرآن سنجد أن كل مجموعة من السور بدايتها إما تشبه آية من آيات الفاتحة أو ما يشير إليها لتوضيح أن هذه المجموعة من السور هي التي أنزلت لتفصيل تلك الآية التي افتتحت بها أو بما يدل عليها. فمثلاً السور التي افتتحت بالحمد هي التي فصلت آية (الحمد لله رب العالمين) والسور التي افتتحت بياء النداء لتلفت الانتباه لما سيأتي من أحكام هي التي فصلت آية (اهدنا الصراط المستقيم) والسور التي أسماؤها كاسم يوم الدين أنزلت لتفصيل الآية (مالك يوم الدين) وهكذا. إذاً آيات الفاتحة وتفصيلهن متشابهات لتوكيد الوحدانية ولهذا هن مثاني.

3- معنى الآيات المحكمات في كتاب الأحكام

     لقد أوضح تحليل حديث السيدة عائشة أن الآيات المحكمات هن الآيات واضحات الأحكام اللاتي ليس في حكمهن لبس على أحد وذلك لأن حكم العمل بهن فرض. والأحكام المحكمة ثلاثة أنواع: أحكام (الفرائض والنواهي والحلال المحكم والحرام المحكم). وأحكام المنسي. وأحكام لتغيير بعض الظواهر الإجتماعية (وهي أحكام المنسأ)

القسم الأول: (ثابت حكمه ورسمه إلى يوم القيامة)

      لقد أنزلت آيات هذا القسم بصيغ مختلفة منها صيغة (افعلوا ولا تفعلو ا بغير شرط ولا تقييد) فهي أوامر ونواهي مطلقة. أوبصيغة (إن الله يأمركم وإن الله ينهاكم) وتشتمل آيات هذا القسم على أحكام الحلال والحرام الواضحة وصريحة بلفظ(أحل لكم أو حرم عليكم أو لا يحل لكم) وكلها في مقدور الناس تطبيقها من أول مرة. والهدف منها أن تكون فتنة أي امتحان للمؤمن ليميز بها الله الطيب من الخبيث الذي اتبع الشياطين. فمن يعمل بالأحكام يؤكد إيمانه بوحدانية الله. كما يجتبي الله بها أكثر الناس عبادة له صموداً في وجه الشيطان. ولهذا نجد نهاية آيات التكاليف كالآتي: (إن كنتم مؤمنين) أو(إن كنتم إياه تعبدون) أو(لعلكم تتقون) أو(لعلكم تشكرون) أو(لعلكم تذكرون). فهي إذاً وسائل توكيد الإيمان بالله إلهاً واحداً أحداً وبملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.

القسم الثاني: (ثابت حكمه ونقل رسمه من الكتاب للسنة) وهو(حكم المنسي)

     هذا النوع  قد تمت إزالة آياته من المصحف ونقلها إلى كتب السنه فصارت أحاديثاً بدلاً عن آيات. ولكن ظل حكم العمل به فرض. فأنزلت الأخبار أولاً موضحة أن طاعة الرسول من طاعة الله لقوله تعالى: مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً}80 النساء. وقوله أيضاً:{قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ} [54:النور]. وبعد أن علم المؤمنين بوجوب طاعة الرسول المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بطاعة الله، أنزل الله أحكام المرحلة وهي أحكام المنسي. فالله الخبير بسرائر خلقه يعلم أن من بين الذين آمنوا منافقين يشُكُّون في حقيقة  أن سيدنا محمداً هو رسول من عند الله. توجد أربعة أهداف من تنزيل أحكام المنسي: الهدف الأول هو: توكيد الإيمان بأن سيدنا محمداً رسول من عند الله. الهدف الثاني هو اجتباء الأكثر طاعة لله ولرسوله بالعمل بالأحكام أينما كانت في الكتاب أو في السنة. فمن صدق بأن الآيات نسخت من المصحف وتم تحويلها للسنة وحكمها الفرض وعمل بها، كان من أهل الصفوة. الهدف الثالث: هو تمييز المؤمن الصادق في ايمانه برسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من الكاذب. الهدف الثالث هو: توكيد وتثنية مَقْدِرة الله على تحدي الكفار. حيث تحداهم الله في المرة الأولى بأنهم لن يستطيعوا أن يأتوا بسورة من مثله. وبالمنسي أكد لهم قدرته بأن أنسى رسوله وصحابته آيات تعدل سورة كاملة ثم أتى بمثلها أو بأحسن منها.

القسم الثالث: (ثابت رسمها ومتغير حكمها)(أحكام المنسأ)

    لقد أراد الله أن ينزل أحكاماً خفيفة على خلقه ولكن وجود ظروف حالت دون تنزيلها جعلت الله ينسأ الحكم الخفيف أي يؤخره إلى الوقت المناسب له وأنزل بدلاً عنه حكماً ثقيلاً. كمثال أراد الله أن ينزل حكم الحجاب ولكن وجود المنافقين في المدينة جوار رسول الله  الذين كانوا يؤذون نساءه والمؤمنات عند خروجهن لقضاء حاجتهن أنزل الله النقاب ليكون لهن علامةً فقط وليس لستر زينتهن كما يعتقد البعض. وبعد أن زال السبب أنزل الله الحكم المنسأ وهو حكم الحجاب. فمن لبست النقاب فلا إثم عليها ومن لبست الحجاب فلا إثم عليها على أن يكون  من وراء ذلك تقوى لله. ومثال آخر هو فطام الطفل فقد كان غير محدد قبل الإسلام ولما أراد الله أن يحدد أقصى فترة للرضاعة أراد أن يحدد الفترة ولكن دون تقييد بها. ولما كانت الظروف غير مهيأة لذلك لوجود مرضعات يعشن على أجر ارضاع أطفال أسر أخر أنسأ الله ذلك الحكم وأنزل حكم الرضاعة لمدة عامين إلى أن ظهرت الحاجة إلى الحكم المنسأ عندما أراد والدي طفل رضيع الانفصال. فأنزل الله الحكم المخفف وهو: لمن أراد أن يتم الرضاعة ومن لم يرد فلا إثم عليه.

أما الحكم الثقيل الذي أُنسِأَ فهو حكم قتال الكفار الذي أخره الله وأنزل بدلاً عنه العفو ليعطي أكبر عدد منهم الفرصة للدخول في الإسلام هذا من ناحية ومن ناحية أخرى ليكون قتال المسلمين دفاعاً عن دينهم وأنفسهم بعد ما يقرر الكفار قتال المسلمين. فمن الملاحظ أن الحكم الثاني لم ينسخ الحكم الأول جذرياً بل تغير من خفيف إلى ثقيل ومن ثقيل إلى خفيف

معنى متشابهات الأحكام

    يتضح من حديث السيدة عائشة وحديث النعمان بن بشير أن التشابه لا نجده إلا في أحكام الحلال والحرام. ومعناه أنالآيات المتشابهات هي الآيات التي تشابه فيها شيئان وهما الحلال الحرام. فاشتبه على الناس هل حكمهن الحلال أم الحرام. فحكم التحريم فيهن لم ينزل من أول مرة بل أنزل الحكم فيهن إباحة مقيدة بشرط يصعب استيفاؤه مع الإباحة. والمتشابهات نوعان:

النوع الأول: آياته مبهمة الحكم بالرغم من وضوح معاني مفرداتها وقد أنزلن في الشهوات اللاتي تشغل الناس عن عبادة الله ولكن ليس لها أثر في استمرارية الحياة  الدنيا. أي أن عدمها لا يؤثر على دوران عجلة الحياة كالخمر ولعب الميسر وأكل الربا. ولهذا جاء النهي عن تلك الشهوات جذرياً أي النهي عن أخذ حتى القليل منها لوجود إثم باطن فيهم بجانب المنفعة الظاهرة للناس.

النوع الثاني: آياته مبهمة الحكم نتيجة لعدم وضوح مفرداته (ويسمى بالظاهر) لأن الظاهر من معناه ليس هو المراد. وقد أنزلت آيات هذا النوع للنهي عن الإسراف من الشهوات التي تتعارض مع عبادة الله وفي الوقت نفسه مطلوب القليل منها لاستمرارية الحياة الدنيا كالأكل والشرب واللبس والزواج لقوله تعالى:{يَابَنِيۤ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ}31 الاعراف. والآية التالية تؤكد أن الإسراف من زينة الحياة الدنيا غير مرغوب فيه وهي:{مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إليهم أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ}{أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون} 15-16 هود.  ومن أهداف تنزيل المتشابهات المنسوخات أيضاً  إصلاح الفساد والظلم الذي كان سائدا نتيجة حب الاسراف من الشهوات لقوله تعالى:{يَابَنِيۤ ءَادَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} 35 الأعراف. ومن الأهداف تحديد الحقوق والواجبات لرفع الظلم الذي سببه حب الزينة  والشهوات والتكاثر منها بإعطاء كل ذي حق حقه كقوله تعالى:{إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَٰمَىٰ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرا} 10 النساء

وأهداف تنزيل الآيات المتشابهات ونسخها هو: أولاً معالجة الناس من الادمان تدريجياً كما يعالج الطبيب مدمن

المخدرات. ثانياً: كي يشعر المؤمنين الصادقين بتعارض حب زينة الحياة الدنيا مع حب الله والآخرة فيمتنعون عن يقين. ثالثاً: لتكون تلك الأحكام مادة امتحان لتمييز الشاكرين لأقدار الله ونعمه التي قسمها لهم بقبولها وصبرهم عليها من الجاحدين لها الذين لا يؤمنون بأقدار الله متبعين بذلك شياطينهم وأرادوا تغييرها أو الازدياد عليها لعدم صبرهم عليها. فمن يؤمن بأن الأقدار من الله لن يطلب المزيد منها ولا تغييرها عملاً بالآية:

{سَلْ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ}[211:البقرة]

    وبعد توضيح المتشابهات المنسوخات يمكن تحليل آيات الخمر المنسوخات لمعرفة معالمهن واقتراح دليل يساعد على تحديد المتشابهات.

أ- معالم آيات الخمر وآيات أكل الربا التي هي معالم جميع الآيات المتشابهات

جاء الحكم في إحدى زينة الحياة ومباهجها التي أدمنها الناس في الجاهلية.

لا يوجد في  الآيات لفظ “أُحِلَ لكم” أو”حُرِّم عليكم” مما يجعلها تخرج من دائرة “الحلال البيِّن” و”الحرام البيِّن”.

جاء الحكم بصيغة “لا تفعلوا” فظهر الحكم وكأن شرب الخمر حلال وهو ليس بالحلال البيِّن ثم قُيِّد السُكر بالصلاة وقيد الربا بعدم المضاعفة.  فظهر الحكم و كأنه حرام وهو ليس بالحرام البيِّن. فاشتبه على الناس حكم شرب الخمر وأكل الربا هل هو حلال أم حرام. فما بين حكمهما حكم متشابه وهو الاباحة الغير مطلقة أي المقيدة بالنهي في حالة صعوبة استيفاء الشرط المقيِّد للحكم.

عند إرجاع حكم الاباحة للمحكم نجد أن شرب الخمر يتعارض مع الصلاة التي حكمها فرض أي يتعارض مع الحكم المحكم ويتعارض حكم الربا مع  التصدق الذي حكمه الفرض أي أن الربا يتعارض مع الحكم المحكم المحكم. إذاً شرب الخمر وأكل الربا غير مرغوب فيهما.

استفتي الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حكم تلك الآيات لشعورهم بتعارضهن مع المحكم فسكت.

 أنزلت الآيات بعدها موضحة قبح الخمر ولعب الميسر وأكل الربا دون تحريم واضح.

 بعد أن علموا أن الخمر وأكل الربا رجس من عمل الشيطان وفيهما إثم باطن تهيؤا لتحريمهما

 أنزلت الآيات الأخيره محكمات ناهيات عن شرب الخمر وأكل الربا أي ناسخات لحكم الإباحة المتشابه بصورة واضحة الدلالة لا لبس فيها.

كل الآيات التي نزلت بعد الآية الأولى لتوضيح الاثم الباطن في شرب الخمر وأكل الربا هي آيات متشابهات لم يذكر فيهن  الحلال والحرام الواضحين مما جعل الصحابة يواصلون الاستفتاء في حكمهن.

في الآية الأخيرة يتضح الحكم المطلوب الذي ينسخ حكم الإباحة.

لقد ضرب كل من السيوطي ومحمد خضير وعبدالوهاب خلاف مثلاً لوجه من أوجه المتشابهات بالآية 3 النساء. وعند مقارنة معالمها بمعالم الآيات المتشابهات وجدت مطابقة لها تطابقاً كاملاً وكذلك الآية 6 النساء التي تتحدث عن أكل مال اليتيم. فهاتين الآيتين من الظاهر الذي هو الوجه الآخر للمتشابهات وقد أوصح ذلك صبحي الصالح وقال إن وجدت القرينة التي تخرجها من ظاهرها فلا يعمل بها وقد وجدت القرينة والحمد لله.

ب- دليل مقترح لمعرفة الآية إن كانت متشابهة منسوخة أم لا

يمكن وضع الأسئلة التالية من معالم المتشابهات المنسوخات  لتتم اجاباتها بنعم أو لا من الآية التي يراد معرفة حقيقتها.

هل نزل حكم الآية في إحدى زينة الحياة ومباهجها التي أدمنها الناس في الجاهلية؟

هل حكم الآية اباحة لعدم وجود لفظ “أُحِلَ لكم” أو”حُرِّم عليكم” مما جعلها تخرج من دائرة “الحلال البيِّن” و”الحرام البيِّن”؟

هل جاء الحكم في الآية بصيغة “لا تفعلوا” أو افعلوا فظهر الحكم وكأنه حلال وهو ليس بالحلال البيِّن ثم قُيِّد بشرط صعب استياؤه فظهر الحكم و كأنه حرام وهو ليس بالحرام البيِّن فاشتبه على الناس حكمها ؟

هل عند إرجاع حكم الاباحة للمحكم وجد أن حكمها يتعارض مع الحكم الفرض كتعارض السكر مع حكم الصلاة الفرض؟

هل استفتي الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حكم تلك الآيات لشعورهم بتعارضهن مع المحكم فسكت؟

 هل أنزلت الآيات بعدها موضحة قبح العمل بحكم الآية دون تحريم واضح.

 هل أنزلت الآيات الأخيرات محكمات ناهيات عن خكم الاباحة بأي صورة من الصور؟

هل ظهر حكم الاباحة في الآية الأخيرة مرة أخرى ؟

إذا جاءت الإجابات جميعها (نعم) ما عدا السؤال الأخير كانت إجابته (لا) تكون الآية متشابهة منسوخة.

ثانياً:  معاني مفردات الآية 7 آل عمران من القرآن

  لقد تم توضيح المحكمات وهن آيات الفاتحة السبع وتم توضيح المتشابهات وهن آيات الأحكام اللاتي أنزلن للنهي التدريجي عن بعض زينة الحياة الدنيا التي تشغل الناس عن ذكر الله وعبادته اتباعاً للشيطان. وتبقت لنا المفردات التالية لتقصي معانيهن وهن: ابتغاء الفتنة، وابتغاء تأويله، وما يعلم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم والذين في قلوبهم مرض.

معنى الذين في قلوبهم زيغ

    لقد أوضحت جميع الآيات أن معنى الزيغ هو الميل من الوضع الطبيعي المستقيم الذي هو الالتزام بالعمل بأحكام الله والميل هو فساد وضلال. وقد اتفق على هذا المعنى جميع العلماء وعليه لا يحتاج إلى توضيح أكثر من ذلك.

معنى الفتنة ومعنى التأويل من قصص القرآن

     لقد ذكرت سابقاً أن الهدف من تنزيل المتشابهات هو أن تكون فتنة لامتحان الذي يؤمن بأقدار الخير من الذي لا يؤمن بها. والآية التالية توضح أن الله قد قدر أقدار الخير وأقدار الشر فتنة وهي:{ كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}[35 الأنبياء].  فمن آيات كل القصص يمكن تعريف الفتنة والتأويل بالآتي:

(إن كل زينة أو شهوة أو متعة من متاع الحياة الدنيا (بها منفعة دنيوية ظاهرة) وقد نهى الله عنها لوجود إثم وضرر باطن فيها لا يعلمه إلا هو( كالأكل من الشجرة الممنوعة) يلقي الشيطان فيها لبني آدم فتنته أي وسوسته وتحبيبها لهم لإغوائهم لأخذها أي لاتباع حكم المتشابه بعد نسخه مؤكداً لهم أن حكم الاباحة ليس فيه نهي ليعصوا الله ما أمرهم به. وذلك بإطفاء منفعة كاذبة زائفة زيادة على المنفعة الظاهرة وهي تزيين وتجميل لعاقبة أخذها. أي يتنبأ لهم بحسن ما سيؤول له حالهم  إذا  عملوا  بحكم الإباحة كذباً وباطلاً ليؤجج لهم بذلك نار حب تلك الشهوة التي هي فتنة في حقيقتها، فيبتغوا الفتنة حباً وشغفاً ابتغاءً لما سيؤول إليه حالهم الذي أوله لهم الشيطان أي زينه لهم “وهو تأويل كاذب” لأن تأويله لا يعلمه إلا الله. ولكن سرعان ما يفاجأوا بالعاقبة الحقيقية التي كلها ندم وألم وحسرة. وهي العاقبة التي أراد الله أن يحميهم عنها والتي لا يعلمها إلا هو وحده (علام الغيوب).

     كما إن كل شيء( به كره أو شر ظاهر في الحياة الدنيوية) وقد أمر الله بفعله لما فيه من منفعة باطنة (كالقتال) وهي العاقبة الحقيقية التي أراد الله أن ينتفعوا بها، والتي لا يعلمها إلا هو، يلقي الشيطان فيها فتنته بتزيين حسن عاقبة ترك العمل بذلك الشيء لبني آدم ليعصوا الله ما أمرهم به. أي بزيادة كره ذلك الشيء المطلوب فعله فوق الكره الظاهر وهو تأويل الشيطان الزائف. والآية التالية:{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}(216) البقرةهي خير ما يوضح معنى الفتنة الذي توصلنا إليه حيث جاء معناها كالآتي1: (فرض الله عليكم -أيها المؤمنون- قتال الكفار, والقتال مكروه لكم من جهة الطبع; لمشقته وكثرة مخاطره, وقد تكرهون شيئًا وهو في حقيقته خير لكم, وقد تحبون شيئًا لما فيه من الراحة أو اللذة العاجلة, وهو شر لكم. والله تعالى يعلم ما هو خير لكم, وأنتم لا تعلمون ذلك. فبادروا إلى الجهاد في سبيله.) وما يستفاد من هذه الآية هو: إن المرء يرضى بما عنده ولا يبتغي ما في الغيب. لأن ما في الغيب لا يعلم عاقبته إن كانت خيراً أو شراً إلا الله.

ج- معنى الراسخون في العلم من الآيات

     لقد وردت جملة “والراسخون في العلم” في القرآن مرتين فقط. مرة في الآية 7 آل عمران ومرة في الآية:{لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمً}(162) النساء. فالراسخون في العلم إذاً هم: الثابتون في إيمانهم المهتدون دائماً وأبداً لا ينحرفون عن طاعة الله وحدوده، المتيقنون من كل ما جاء في الكتاب. أي أنهم الصامدون في وجه الشيطان لا يقعون في فتنته ولا يبتغونها. فهم إذاً عباد الله المخلصين الذين ليس للشيطان عليهم سلطان. ولذلك هم منشغلون عن حب الدنيا وشهواتها (أي فتنها وزينتها) بالمسارعة إلى مغفرة الله والعمل بمحكم أحكامه وأوامره وطاعته تاركين المتشابه إيماناً منهم بأن عاقبة أمورهم أي مآل أحوالهم لا يعلمها إلا الله إذا أغواهم الشيطان بإحدى الفتن أي إحدى الشهوات التي أنزلت فيها آية متشابهة ثم تم تحريمها. ولهذا يقولون إن ما يغوي إليه الشيطان وما لديهم من نعم كل من عند الله قانعين بما آتاهم. ولهذا نجد أن الذين في قلوبهم ضلال وهم المنافقون هم الذين يتبعون ما تشابه حكمه ابتغاء الشهوات التي جعلها الله فتنة وامتحاناً من أجل ابتغاء التأويل االذي زبنه لهم الشيطان.

د. معنى الآية 7 آل عمران

   إن معنى الآية هو: إن الكتاب الكلي مكون من آيات محكمات هن آيات الفاتحة المحكمات أم الكتاب. ويحتوي الكتاب على آيات يشتبه على الناس حكم الحلال والحرام فيهن.  وهذه الآيات قد أنزلن للنهي تدريجياً عن حب الشهوات أي زينة الحياة الدنيا التي هي(فتن لأن الشيطان يلغي فيهن فتنته) والتي أدمنها الناس في الجاهلية كالمال والبنون والنساء وفي العادات القبيحة كشرب الحمر ولعب الميسر. والمتشابهات هن الآيات المتدرجات في النهي عن زينة الحياة الدنيا لعدم مقدرة الناس على النهي عنها من أول مرة نتيجة ادمانهم لها. وقد تم النهي عن تلك الأشياء بعد أن أوضح للناس قبح العمل بها لتعارضها مع عبادة الله. وبعد النهي تتحول الآيات من متشابهات إلى محكمات فيتم بذلك تحريم العمل بالمتشابهات ووجوب العمل بالمحكم فقط. ولكن إبليس يغوي المؤمنين بالعمل بالمتشابهات بحجة أن حكمها حلال لم يحرم لعدم وجود الحرام البين  فيها. فيعمل الراسخون في إيمانهم بوحدانية الله بالمحكمات صامدين في وجه الشيطان يقولون كل ما لديهم من أقدار الله فلا يريدون غيرها ولا زيادتها شاكرين الله عليها. أما الذين في قلوبهم ضلال فهم الذين يزين لهم حب الفتن ويزين لهم كذباً ما سيجدونه من فوائد بعد أخذ الفتنة الممنوعة فيتبعون حكم المتشابهات المنسوخات ابتغاءً للفتنة (إحدى الزينة) وابتغاءً لما سيؤول له حالهم الذي تنبأ لهم  به الشيطان كذباً وباطلاً وما سيؤول له حالهم لا يعلمه إلا الله لأنه أمر غيبي والله أعلم.

 

“من أسرار “بسم الله الرحمن الرحيم

{من أسرار{بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم

مقدمة

        لقد جاء في محكم تنزيله قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَاءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ}                                 7 آل عمران

الذي أوضح أن المحكمات هن أم الكتاب. وقد أوضح الحديثان التاليان  أن سورة الفاتحة هي أم الكتاب وهما: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “هي أم القرآن وهي السبع المثاني وهي القرآن العظيم”. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الحمد لله رب العالمين أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني والقرآن العظيم».كما نصت الآية: {الۤر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ}            1 هود                                                                                                                      على أن الله قد أحكم آيات الكتاب أولاً ثم فصلها. الأمر الذي يشير إلى أن آيات الفاتحة هن اللاتي أحكمهن الله ثم فصلهن لأنهن المحكمات أم الكتاب. وبما أن العلماء قد عرَّفوا المحكمات بأن معانيهن غير واضحات الدلالة، صار من الممكن الوصول لكل مبهم فيهن من تفصيلهن.

    لذا قررت البحث عن تفصيل {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} التي اختلف العلماء في طبيعتها؛ هل هي آية أم لا بالرغم من اتفاقهم على إنها أول ما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: {إقرأ باسم ربك الذي خلق} {خلق الإنسان من عَلَقٍ} {إقرأ وربك الأكرم}                                                                     1-3 العلق

      لقد اتبعت منهج التفصيل بالأسئلة الدقيقة والبحث عن إجاباتها من القرآن والسنة. فإذا وجدت إجابات كافية لتوضيح طبيعتها وحكمها وعلاقتها بآيات سورة العلق، داخل الكتاب تكون {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} آية محكمة من المحكمات اللاتي فصلهن أي “فسرهن” الله سبحانه وتعالى بناءً على الآية: “الر، كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير” 1 هود.  وإذا وجد تفصيلها يتم توكيد حقيقة إنها آية من سورة الفاتحة ومن كل سورة ابتدأت بها  بتفصيل آيات الفاتحة الأخريات لأن بعض العلماء يعتقدون أن: “صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ ” آية و”غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ ” آية أخرى.  وبالتالي لا يعتبرون {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} آية.

1- تفصيل {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} من آيات القرآن والأحاديث

      يتم التفصيل بالأسئلة التالية: ما هو تعريف الإسم الله ؟  ما هو تعريف الإسم الرحمن ؟ ما هو تعريف الإسم الرحيم ؟  ما الفرق بين الله، الرحمن والرحيم ؟ وما هي الصلة بينهم؟ وما هو سر ارتباط الاسمين الرحمن والرحيم في كل القرآن؟  كيف جاءت {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} بصورتها هذه من آيات سورة العلق؟ ما سبب نزولها بهذه الصورة المجملة؟  ما المقصود ب {بسم اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ؟ وما حكمها؟ما هي طبيعة {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}؛ هل هي آية أم لا

أولاً:  تعريف الاسم الله من الآيات

      لقد جاء في حديث أبي بن كعب: أن المشركين قد سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يا محمد أنسب لنا ربك“. فأنزل الله الآيات التالية رداً على سؤالهم: {قُل هُو الله أَحَدٌ}{الله الصَّمَدُ} {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} {وَلم يكن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ}     1-4 الإخلاص

فأوضحت الآيات أن الله هو اسم الجلالة لذات الإله العليا. أي أن الله هو اسم علم على الإله الواحد الأحد الذي لم

تكن له صاحبة ولم يكن له والد ولا ولد ولا شريك وبالتالي ليس لذاته العليا شبيه ولا مثيل كما لم يكن هنالك أحد  يكافئه في صفاته وأسمائه الحسنى. وقد أخبرنا الحديث التالي أن لله تسعة وتسعون اسماً وهو: وعن أبي هريرة عن النبي- صلى الله عليه وسلم – قال: (لله تسعة وتسعون اسمًا، مَن حَفِظها، دخَلَ الجنة، وإنَّ الله وِتْرٌ يحبُّ الوِتْرَ(

إذاً من تفصيل الآيات يمكن استخراج صفاته ونعوته واسمائها كالآتي:

إن منمن أكثر الآيات تعريفاً لأفعال الله وصفاته الآيات التالية:{ الله الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثمَّ استوي عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم من دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ} { يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} {ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ}{الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ}{ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ}       4-8 السجدة

حيث أوضحت الآية “4” أن من أفعاله الخلق ولهذا يكون من أسماء نعوت الله  هو “الخالق” من الخلق. كما أوضحت أن الله بعد أن خلق كل شيء، استوى على عرشه ملكاً على مملكته ووالياً لخلقه وشفيعاً لهم. فمن أسماء نعوته إذاً “الملك” و”الولي” و”الشفيع“. والآية “5” بينت أسم نعته “المهيمن” حيث أنه يدبر أمر كل المملكة من السماء إلى الأرض. أما الآية “6” فقد أبرزت أسماء صفات الله “عالم الغيب والشهادة” و”العزيز الرحيم“. وتفسير ابن كثير لهذه الآيات يعضد هذا القول وهذه الاسماء وهو: (يخبر تعالى أنه خالق للأشياء، فخلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم استوى على العرش، وقد تقدم الكلام على ذلك { مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ } أي: بل هو المالك لأزمة الأمور، الخالق لكل شيء، المدبر لكل شيء، القادر على كل شيء، فلا ولي لخلقه سواه، ولا شفيع إلا من بعد إذنه، { أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ } يعني: أيها العابدون غيره، المتوكلون على من عداه، تعالى وتقدس وتنزه أن يكون له نظير أو شريك، أو وزير أو نديد أو عديل، لا إله إلا هو، ولا رب سواه. وقوله تعالى: { يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ } أي: يتنزل أمره من أعلى السماوات إلى أقصى تخوم الأرض السابعة، كما قال تعالى:{ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَـٰوَٰتٍ وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ ٱلأَمْرُ بَيْنَهُنَّ } [الطلاق: 12] وهو العزيز الذي قد عز كل شيء فقهره وغلبه، ودانت له العباد والرقاب، الرحيم بعباده المؤمنين، فهو عزيز في رحمته، رحيم في عزته وهذا هو الكمال، العزة مع الرحمة، والرحمة مع العزة، فهو رحيم بلا ذلّ.)  ثم أخبرتنا الآيتان: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ}{مِن شَرِّ مَا خَلَقَ} 1-2 الفلق أن من أسماء نعوت الاسم الله هو “المستعان” الذي يستعان به من شر خلقه. وأوضحت الآية  التالية أن من بين نعوت الاسم الله هو “الرازق”. والآية هي: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ الله يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ}3 فاطر  أما الآية: { فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ الله كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} 50 الروم  فقد أظهرت الاسم “المحي”. وورد اسم الصفة الهادي في الآية التالية: {ذَلِكَ هُدَى الله يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} 88 الأنعام . ثم جاء الاسم الرحيم في الآية: { قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُل لِلّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} 12 الأنعام  وبرزت أسماء الصفات:”الحسيب” ،”الغفور” و”القدير” و”المنتقم“في الآية: {لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ الله فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَالله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}284 البقرة.  وبهذه الطريقة يمكن أن تستخرج أسماء الصفات الحسنى التسع وتسعين التي جمعها رب العالمين في اسم واحد هو “الله“.   وقد جاء في الصحيحين:  “إن لله تسعةً وتسعين اسماً، مائة إلا واحداً، من   أحصاها دخل الجنة. وهو اسم لم يسم به غيره”. يعضد ذلك ما ورد في صحيح البخاري تحت باب:  ما يذكر في الذات ، النعوت واسامى الله. الذي يستفاد منه أن الذات تذكر بأسماء وأن الأسماء التي تذكر بها الذات هي الأخرى لها أسماء صفات. ولطالما أنها نعوت أسمائه فهذا لا ينفي أن كل منها نعت  فرعي من نعوت الذات. بذا يمكن أن يتصف الخلائق ببعض نعوت أسماء الإسم الله، كأن يقال هذا الرجل كريم وهذا الرجل عليم وذاك رجل رحيم وهكذا كما جاء في رأي بعض العلماء. وربما يتصف المرء باثنين أو أكثر منها ولكن من المستحيل أن يكون هنالك مخلوق يجمع كل هذه الصفات لما في الخلق من نقص‘ وأن هذه الصفات هي صفات كمال والكمال لله وحده. ولهذا أطلق الإله على نفسه علم عندما يذكر به فكأنما يذكر بتسع وتسعين اسماً ولهذا لا يمكن أن يتسمى بذلك الاسم بشر. وقد ذكر التميمي أن من أسماء الله ما يدل على أفعاله كالبر في الدلالة على بره بعباده والباسط في الدلالة على بسط الرزق لمن يشاء.

فيستنتج مما جاء في الحديث: أن للذات أسامي جلالة وتر مثل الله، وهذه الأسامي غير مشتقة لأنها مكونة من تسع وتسعين اسم صفة  وبالتالي لم يكن مشتق من صفة واحدة. أما أسماء الصفات التي تتكون منها اسماء الجلالة فهي أسماء مشتقة. لأن كل اسم منها هو اسم لصفة واحدة فقط.  فمثلاً الاسم العليم من علم يعلم فهو عليم.  والاسم الرحيم من رحم يرحم فهو رحيم.

(فإذا ذكر المؤمن ربه بأي اسم من أسماء الجلالة، توكيداً لتقديسه وتوحيده،  ينال رضاء ربه أولاً وينال بركات كل أسماء صفاته التسع وتسعين اسماً، ويتجنب بهم الضرر الذي يمكن أن يصيبه ثانيا، لقول ابن قيم الجوزية:( التوسل بالأسماء والصفات فإنها وسيلة بصفاته وأفعاله التي هي مدلول أسمائه).

       ثانياً:  تعريف “الرحمن”  من آيات القرآن

     لقد ورد ذكر الاسم الرحمن في الآية: {قُلِ ادْعُواْ الله أَوِ ادْعُواْ الرحمن أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً} 110 الإسراء التي تشير إلى وجود صلة بين اسم الرحمن واسم الجلالة الله.

حيث جاء رأي القرطبي في سبب نزول هذه الآية { قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ}: كالآتي:” أن المشركين سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو «يا ألله يا رحمن» فقالوا: كان محمد يأمرنا بدعاء إله واحد وهو يدعو إلهين ” ” فنزلت الآية مبيِّنة أن الله والرحمن اسمان لمسمّى واحد؛ فإن دعوتموه بالله فهو ذاك، وإن دعوتموه بالرحمن فهو ذاك.)  فإذا تم استنباط أن للاسم الرحمن أسماء صفات مطابقة لأسماء صفات الله كما جاء في الآية 110 الإسراء يكون معنى الآية هو: أن الله والرحمن اسمان علمان على ذات الإله غير مشتقان. عليه يتطلب اثبات هذا الأمر اتباع نفس الأسلوب الذي تم به استخراج أسماء الله الحسنى التسع وتسعين اسماً لاستخراج أسماء صفات الرحمن من السور التي تكرر فيها اسم الرحمن كثيراً وهي:  الرحمن ، مريم ، طه، الأنبياء، الفرقان، الملك، يس، الزخرف والنبأ.

  • تحليل آيات سورة الرحمن

    إذا تدبرنا قوله تعالى: {الرحمن} {عَلَّمَ الْقُرْآنَ} {خَلَقَ الْإِنسَانَ}إلى قوله تعالى:{تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} (1-78) الرحمن   نجد أن الاسم الرحمن مبتدأ. وكل آيات السورة المتبقيات خبراً  للمبتدأ أي خبراً لصفات وأفعال الرحمن. وأول آية جاءت خبراً للرحمن هي: {عَلَّمَ الْقُرْآنَ} (2) الرحمن  فيستنبط منها اسم الصفة “الهادي” و“العالم“. حيث ورد معناها كالآتي: أي علّمه نبيّه صلى الله عليه وسلم حتى أدّاه إلى جميع الناس.  والآية “3”:{خَلَقَ الْإِنسَانَ} قد أخبرتنا أن الرحمن هو خالق كما كانت صفة الله إنه خالق. وقد ورد ت صفة خلق الإنسان وتعديله وتصويره أيضاً في الآيات: {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} {الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ}{فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ} 6-8 الانفطار   وجاء اسم صفة “خلق الإنسان وتعديله وتصويره” هو(الخالق البارئ المصور)  في نهاية سورة الحشر كالآتي {هُوَ الله الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}24 الحشر

تحليل آيات سورة طه

    أما آيات سورة طه فأحسبها الأكثر دلالة للاسم الرحمن وهي:{طه}{ مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى}{ إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى}{ تَنزِيلًا مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى}{الرحمن عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}{ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى}{وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى}1-7 طه حيث أخبرتنا أن الرحمن هو منزل القرآن الذي خلق الأرض والسموات العلي ثم استوي على عرشه ملكاً. وهذه الآية تعضد ألىية 2 الرحمن: (علم القرآن). فمن أسماء صفاته “الخالق” و”الملك” . ثم أخبرت الآية “7” أن الرحمن يعلم السر والجهر أي أنه عالم الغيب وحده. واصلت الآية “8” طه الأخبار عن الرحمن كالآتي: “الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى”، أي أنها استبدلت اسم الرحمن بالاسم الله مما يدل على أن الخالق لكل هذا الكون الذي استوي علي عرشه ملكاً ويعلم السر والجهر هو الرحمن الذي هو الله الذي لا إله إلا هو وله الأسماءالحسنى.  عليه يعرب الاسم الرحمن في الآية “5” خبراً للمبتدأ مرفوعاً وهو مبدل منه، ويعرب الاسم الله في الآية“8” بدلاً مرفوعاً. تواصل آيات سورة طه الأخبار عن الرحمن بالآتي: { يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أذن لَهُ  الرحمن وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا}{ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا}{وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا}109-111طـه

وإذا تتدبرنا محتوى الآيتين 109-111طـه  وآية البقرة التالية: {الله لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} 255 البقرة نجدهن متفقات في المعنى، بالرغم من أن الآية 255 البقرة  قد أنزلت بالاسم الله والآيتين 109- 111 طه قد أنزلتا بالاسم الرحمن. فيدل ذلك على أن الاسمين الله والرحمن علمان لذات الإله الواحد الأحد.

تحليل آيات سورة الأنبياء

     وبالتدبر في الآيات:{وَقَالُوا اتَّخَذَ الرحمن وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ}{لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ}{يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} 26-28 الأنبياء   نجد الآية 26 تنفي إدعاء الكفار بأن الملائكة أبناء الله وذلك بنفي أن للرحمن ولداً فهي إذاً توكيد لوحدانيته. فيبرز بذلك اسمي صفتيه “الواحد الأحد” و”القدوس” لأنه هو الذي لم يلد ولم يولد المنزه من الشريك ومن كل نقص بلفظ التسبيح سبحانه تماماً كما كانت أسماء الصفات بالاسم الله. كما أظهرت الآية 27 اسم صفة الرحمن “المهيمن” حيث أن الملائكة يعملون بأمره هو فقط. ومن أسماء صفاته أيضاً “عالم الغيب والشهادة” لما ورد في الآية 28 ” يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم”.  فأسماء صفات الرحمن المستنبطة من آيات سورة الأنبياء ومن آيات سورة طه هي نفس أسماء صفات الله التي وردت في آية الكرسي في سورة البقرة.  وعند التمعن في تفسير العلماء لقوله تعالى: “وَقَالُوا اتَّخَذَ الرحمن وَلَدًا ” نجدهم يستبدلون الاسم الرحمن بالاسم الله. ومثال لذلك التفسير التالي:  (أي قال المشركون اتخذ الله من الملائكة ولداً قال المفسرون: هم حي من خزاعة قالوا: الملائكة بنات الله “سبحانه” أي تنزه الله وتقدس عما يقول الظالمون…) مما يؤكد أن الرحمن هو الإله الذي هو الله. وجاءت الآية التالية واضحة وصريحة وفاصلة في توضيح أن الرحمن هو الإله الواحد الأحد وهي:{ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} 29 الأنبياء أي أن الرحمن هو الإله الواحد الأحد ومن يقل إن هنالك إله غير الرحمن فله جهنم كما ورد في  تفسير ابن كثير الذي استبدل اسم الرحمن بالاسم الله أيضاً.  إن آيات الفرقان تخبر عن أن ملكية الإله ليوم الدين جاءت باسمه الرحمن والآيات هي:{وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا} { الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا} 25-26 الفرقان. نصت الآية 26 على ان ملك يوم الدين هو الرحمن أي ذات الإله الذي اسمه الرحمن.

      تحليل آيات سورة الفرقان

          إن آيات سورة الفرقان التالية توضح أن الذي له اسم الصفة الحي والذي يسبح له بحمده  هو الخبير بذنوب عباده فهو الوكيل وحده وهو الرب واسمه الرحمن: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا}{الَّذِي خَلَقَ  السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرحمن فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً}58-59 الفرقان.  إذاً التسبيح بحمده يكون كالآتي: “سبحان الرحمن وبحمده ” كما جاء التسبيح بحمد الله “سبحان الله وبحمده“. واصلت آيات الفرقان توضيح الاسم الرحمن بأنه علم على ذات الإله غير مشتق بالآتي:

{تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا}  61 الفرقان     فكلمة تبارك التي وردت في الآية الأخيرة من سورة الرحمن: {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} 78 الرحمن  ووردت في أول سورة الملك:{تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}(1) الملك       وفي سورة الزخرف:{وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }85 الزخرف  هي لفظ تقديس وتوحيد تطابق معناه مع لفظ سبحان لما ورد في قول الفراء:  (إن تبارك وتقدّس في العربية واحد، ومعناهما: العظمة). واحسب أن المعنى التالي:( استقر له السلامة من العيوب والنقائص، لأنه الرب العلي العظيم، المالك للأشياء، الذي بيده أزمة الأمور نقضاً وإبراماً)، هو أكثر المعاني توضيحاً للمقصود باللفظين سبحان وتبارك كما أوضحه ابن كثير في معنى الآية:{ سُبْحَـٰنَ رَبِّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ } أي: (تعالى وتقدس وتنزه خالق الأشياء عن أن يكون له ولد، فإنه فرد أحد صمد، لا نظير له، ولا كفء له، فلا ولد له.)  لقد ورد تقديس الإله باللفظين (سبحان وتبارك) وبالاسم الرحمن وبالاسم الله مما يؤكد تطابق الاسمين.

تحليل سورة الزخرف

         أما آيات الزخرف التالية: { قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ } { سُبْحَانَ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ } { فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ } { وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ }{ وَتَبَارَكَ ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }81-85 الزخرف         فقد جاء فيها توحيد الإله وتنزيهه بالاسم الرحمن من أن يكون له ولد. كما أن لفظ التسبيح كان سبحان. وهذا يؤكد كل ما توصل إليه البحث وهو أن الاسم الرحمن هو اسم علم على الرب كالإسم الله. ثم أكدت الآية 84 الزخرف أن الرحمن هو اسم الإله الذي هو الإله في السماء وفي الأرض. أي: هو خالقهما ومالكهما، والمتصرف فيهما بلا مدافعة ولا ممانعة كما ورد في تفسير ابن كثير لهذه الآية. ثم جاء اسم صفته “الحكيم العليم” في نهاية الآية، تماماً كما جاءت في نهاية الآية التالية التي تتحدث عن رب العالمين: {وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ}6 النمل  مما يؤكد أن الحكيم العليم هو الرب الذي اسمه الرحمن. أما الآية 85 فقد أخبرت أن عالم غيب الساعة والذي له ملك السماوات والأرض وما بينهما و يرجع إليه الخلق كله هو الرحمن أي أنه الله الذي هو الإله المنزه عن كل شرك ونقص. ثم أوضحت آية الزخرف: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} 36 الزخرف   أن من يريد أن يذكر ربه أو يشكره يمكن أن يذكره أو يشكره بالإسم الرحمن كذكره وحمده بالإسم الله

من آيات سورة الملك

        أما آيات سورة الملك فقد جاءت مؤكدة ومثنية لما أوضحته الآيات السابقة وهي: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}{الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ}{الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ  الرحمن مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِع الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ}                1-3الملك

 حيث أوضحت أن من أسماء صفات الاسم الرحمن : “الخالق” و”المحي المميت” لخلقه للموت والحياة. ثم جاء نعت ذاته “العزيز الغفور” في نهاية الآية “2”.  وواصلت آيات سورة الملك الأخبار عن أسماء صفات الرحمن بما يلي: أنه عالم بخلقه فهو”العليم” وهو”اللطيف الخبير” وهو“الرازق” وهو“مالك يوم الدين”. والآيات هي: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ }{هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} 13-15 الملك   كما قال أبو إسحاق الإسفرايِنِي: (من أسماء صفات الذات ما هو للعلم؛ منها «الْعَلِيمُ» ومعناه تعميم جميع المعلومات. ومنها «الخَبيرُ» ويختص بأن يعلم ما يكون قبل أن يكون. ومنها «الْحَكِيم» ويختص بأن يعلم دقائق الأوصاف. ومنها «الشهيد» ويختص بأن يعلم الغائب والحاضر، ومعناه ألا يغيب عنه شيء. ومنها الحافظ

من آيات سورة مريم

     ولنتمعن في آيات سورة مريم التالية:  {يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرحمن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا

                                                                                                         45 مريم

{قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرحمن مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا} {وَيَزِيدُ الله الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْر عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا}

 74-75 مريم.     ففي الآية 45 مريم نلاحظ أن اسم الرحمن له صلة بالعذاب. وورد في الآية 74 مريم  أن الضلالة وزيادتها بالإسم الرحمن  مع ملاحظة أن الآية 75 مريم قد أوردت زيادة الرحمة أي الهدي بالإسم الله. وأحسب أن الحكمة من وراء ذلك هي: أن نعلم أن الإسمين الهادي والمضل من أسماء صفات الرحمن. تماماً كما أنهما من صفات الله. هذا وقد التحق أيضاً اسم الصفة الضار بالإسم الرحمن في الآية الآتية: {أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرحمن بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلاَ يُنقِذُونِ}23 يــس   وبالرغم من ذلك احتج بعض العلماء على الاسمين الضار والمضل. وأحسب أن احتجاجهم هذا ليس له مبرر إذا أخذنا في  الاعتبار، أن الكفار قد استبعدوا مقدرة الله على إحيائهم بعد موتهم كما استبعدوا مقدرته على عقوبتهم فاستعجلوا عذابه. فأوضح لهم الله سبحانه وتعالى أسماء صفات مقدرته التي تدحض حجة الكفار الواهية. فأسماء صفاته مثل “الضار والمضل” هي أسماء تخص الكفار والمنافقين والمشركين لتوضح لهم أن الله هو القادر المقتدر على جزاء عباده المخلصين الجزاء الحسن، وهو القادر المقتدر أيضاً على عقاب عبيده الفاسقين. كما ورد في سورة آل عمران أنه يعز من يشاء ويذل من يشاء. أي أنه المعز، المذل.أما آيتا سورة الملك التاليتان فقد أوضحتا أن الرحمن هو الذي يرحم عباده في الدنيا بنصره لهم حيث لا ناصر لهم غيره وأنه هو الذي يمد الناس جميعاً المؤمنون منهم والكافرين بالماء في الدنيا وهما: {أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرحمن إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ }                                                                              20 الملك

      {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاء مَّعِينٍ}                                                30 الملك

      فالرحمن هو الولي وهو النصير وهو الذي يرحم جميع خلقه بتوفير الماء العذب لهم في الدنيا. كما ورد في تفسير ابن

كثير للآيتين20 و30: ( أنه لا يوجد أحد يعطي ويمنع، ويخلق ويرزق وينصر إلا الرحمن عزّ وجلّ وحده لا شريك له، فإذا قطع الرحمن رزقه من العباد لا يستطيع غيره من الذين عبدهم المشركين أن يأتوهم برزق) فهو الرازق.  ولنتمعن في تطابق صفات الاسمين الله والرحمن في الآيتين التاليتين: { أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا  يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرحمن إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ} 19 الملك

{ أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاء مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الله إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} 79 النحل

حيث ضرب ابن كثير لتفسير الآية 19 الملك بالآية 79 النحل. فمن يمسك الطير في جو السماء هو الإله الذي اسمه الله واسمه الرحمن. وكل ذلك يؤكد أن اسم الرحمن هو علم غير مشتق لأنه يتكون من كل صفات الذات الإلهية التي يتكون منها الاسم الله. إذاً هو اسم جلالة كالاسم الله. أما الآية :{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ  الرحمن وُدًّا} 96 مريم  فنجدها تخبرنا أن الرحمة كل الرحمة،  للمتقين الذين آمنوا وعملوا الصالحات في الآخرة فلا رحمة تفوق ود الإله سبحانه وتعالى في ذلك اليوم! وقد كانت بالاسم الرحمن وليست بالاسم الرحيم.

     فيستنتج من كل الآيات التي أنزلت بالاسم الرحمن أن اسم الرحمن له أكثر من 97 اسماً من أسماء صفات الاسم الله مما جعله يختلف عن بقية الأسماء الأخرى التي لكل منها اسم صفة واحد محدد. والفرق بين الاسمين: الله والرحمن هو أن اسم الله يتضمن اسم الرحمن ولكن اسم الرحمن لا يشمل اسم الله.  وما ورد في الفوائد في سورة الفاتحة يعضد أيضاً ما توصل إليه البحث وهو2: “والأسماء المذكورة في هذه السورة هي أصول الأسماء الحسنى، وهي اسم (الله والرب والرحمن).

     لقد جاء في الفوائد أن اسم “الله” متضمن لصفات الإلوهية، واسم “الرب” متضمن لصفات الربوبية، واسم “الرحمن” متضمن لصفات الإحسان والجود والبر. ومعاني أسمائه تدور على هذا”. وما نخلص إليه مما ورد في الفوائد وفي راي كثير من العلماء هو أن هنالك صلة وثيقة بين الحروف المكونه منها صفات الألوهية والربوبية والإحسان وبين حروف الأسماء الله والرحمن والاحسان. ولكن ما نتج من البحث يؤكد أن الألوهيه للرحمن كما أنها لله وبالتالي لا يكون لصفة الإلوهية صلة بحروف الاسم الله. وأحسب أن ذلك من معجزات القرآن اللغوية.

       ومن الأحاديث عن عائشة رضي الله عنها3:  أن النبي قد بعث رجلاً على سرية وكان يقرأ لأصحابه في صلاته فيختم بقول هو الله أحد، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي صلى  الله عليه وسلم فقال سلوه لأي شيء يصنع ذلك، فسألوه فقال لأنها صفة  الرحمن وأنا أحب أن أقرأ بها فقال النبي صلى  الله عليه وسلم أخبروه أن الله يحبه.  وورود هذا الحديث تحت باب  “قل ادعو الله أو ادعو الرحمن …”  يؤكد أن صفة الرحمن هي صفة الله. أي أن الرحمن هو الإله الواحد الأحد، الصمد، الذي

لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد.

ثالثاً- تعريف الاسم “الرحيم”

     لقد اتفقت آراء العلماء على أن اسم الرحيم هو اسم صفة الرحمة على وزن فعيل وأن الرحمة باسم الرحيم للمؤمنين فقط وفي الآخرة فقط. واسم الرحمن هو اسم صفة الرحمة لجميع الخلق في الدنيا. ولكن إذا تمعنا في الآيات التي ورد فيها الاسم الرحيم لم نجده يدل على ذات الإله في بداية الآيات كالاسمين الله والرحمن. بل ياتي كأسم من أسماء الاسمين الحسنى في نهاية الآيات.  عليه سوف يتم تحليل الآيات التي ورد فيها الاسم الرحمن لمعرفة الصفة التي يدل عليها.

وبالتمعن في الآية: {رَّبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا}    66 الإسراء

نجد أن الرحمة عامة لجميع الناس المؤمنين والكفار وفي الدنيا وبالاسم الرحيم. فلم يوضع اسم الرحمن بدلا عن الرحيم في نهاية الآية كالآتي: ” إنه كان بكم رحمانا” بدلاً عن “إنه كان بكم رحيماً”. الأمر الذي يؤكد أن الرحمة في الدنيا للخلق أجمعين وذلك بتوفير النعم لهم، وقد وردت باسم “الرحيم”. وقد سبق أن علمنا أن الرحمة قد وردت أيضاً للخلق أجمعين بالاسم الرحمن وفي الدنيا. وفي الآية التالية: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}

                                                                                             36 الحج

توضيح بأن رحمة الرحيم تشمل المغفرة للعصاة وقد طلبها لهم سيدنا إبراهيم من ربه في الدنيا. ولم يطلبها بالاسم الرحمن. وهذا دليل على أن رحمة الرحيم لم تكن مقتصرة على المؤمنين في الآخرة فقط كما ورد في رأي العلماء بل تشمل المؤمنين والعصاة معاً في الدنيا.

وفي الآيتين التاليتين وردت الرحمة بالاسم الرحيم للمؤمنين في الدنيا. والآيتان هما:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ  وَأَطْهَرُ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } 12 المجادلة

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَالله غَفُورٌ رَّحِيمٌ}                                                                                 28  الحديد

لما ورد في معنى الخير في الآية 12 المجادلة بأنه الطهارة والتزكية أي الهدى لما فيه الخير في الآخرة1. كما ورد في معنى النور الذي يمشون به هو هديهم في الدنيا ونيل الجزاء الحسن في الآخرة2. أما الآيات التالية فهي دليل العلماء على أن رحمة الله  للمؤمنين في الآخرة باسمه الرحيم:{إنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ}{ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ آمِنِينَ}{ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِين} {لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ} {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ

                                 45-49 الحجر

فالرحمة يوم القيامة هي أساساً للمؤمنين فقط كما جاء في تفسير الشعراوي3 (أن الله رحيم بالمؤمنين فقط..  فالكفار والمشركون مطرودون من رحمة الله.) وكذا قول ابن جرير. إذاً الاسم الرحيم هو اسم صفة الرحمة المبالغ فيها في الدنيا للخلق أجمعين وذلك بعدم إمساك الله لنعمه وخيراته من العصاة في الدنيا ولعدم حرمانهم من المغفرة المتوفرة لهم متى ما اهتدوا لما كتبه فوق عرشه: “إن رحمتي سبقت غضبي”. كما كانت للمؤمنين بهداهم والمغفرة لهم في الدنيا والآخرة . إذاً يتكون الاسم الرحيم من الأسماء: الهادي والغفور. لقد أكدت الآيات أن رحمة الإله تعم المؤمنين والكفار في الدنيا بالاسمين الرحمن والرحيم وتخص المؤمنين فقط في الآخرة وبالاسمين الرحمن والرحيم أيضاً.ودعاء الرسول صلى الله عليه وسلم: “يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما” يؤكد ذلك. فما الفرق بينهم إذاً؟

رابعاً:    الفرق بين الأسماء والصلة بينهم  وسر ارتباط الاسمين “الرحمن” و”الرحيم” في كل القرآن

  • الفرق بين الأسماء “الله”، “الرحمن” و”الرحيم”

    من كل الآيات التي ذكرت يستنبط أن كلاً من الاسم الله والاسم الرحمن يرد ذكره في بداية الآيات مخبراً عن ذات

الإله ودالاً عليهاولكن أسماء الصفات الأخرى كالرحيم والعليم والسميع…تأتي في نهاية الآيات لأنها الأسماء الحسنى

للاسمين الله والرحمن. ومعظم الأسماء الحسنى على وزن فعيل. ولم يحدث قط أن ورد الاسم الله أو الاسم الرحمن كصفة

واحدة ومحددة في نهاية الآيات كما هو الحال بالنسبة للاسم الرحيم وبقية الأسماء الأخرى. بالإضافة إلى حقيقة أن الاسم الرحمن لم يرد نكرة قط في كل القرآن على عكس الأسماء الأخرى بما في ذلك الاسم الرحيم. وبما أن صفات الاسم الرحمن هي نفس صفات الاسم الله، فهما إذاً علمان لم يتسم بهما أحد غير الإله الواحد الأحد، وبالتالي هما اسما جلالة غير مشتقين.

        عليه يعرب كل من الاسم الله والاسم الرحمن  بدل تطابق كامل للآخر، إذا ذكر أحدهما استغني عن الآخر. كما ورد في كثير من السور مثل سورتي مريم وطه. ولكن اسم الله أعم وأشمل من اسم الرحمن. ويعضد ذلك ما جاء في كتاب رسائل ابن العربي في اسم الرحمن وهو1: ( وهذا الاسم “الرحمن” يتضمن جميع الأسماء الحسنى إلا الله فإن له الأسماء الحسنى).   كما يعضده أيضاً ما ورد في الجامع لأحكام القرآن2: ( “الله” هذا الاسم أكبر أسمائه سبحانه وأجمعها حتى قال بعض العلماء: إنه اسم الله الأعظم ولم يتسم به غيره ولذلك لم يثن ولم يجمع؛ وهو أحد تأويل قوله تعالى: “وهل تعلم له سمياً” مريم 65 أي تسمى غيره باسمه الذي هو الله.)

أما الإسم الرحيم فهو اسم صفة جزئية. أي أنه اسم صفة واحدة وهي الرحمة من بين أسماء صفات كثيرة للإسمين الله والرحمن سواء أن كانت رحمة الهدى أو رحمة المغفرة.  ولهذا يعرب الإسم الرحيم بدل جزء من كل. وبالتالي لم يكن علماً على الرب بل هو اسم مشتق من رحم يرحم فهو رحيم. ولهذا السبب لم يرد ولا مرة واحدة في القرآن كله كبدل لأحد الاسمين الله أو الرحمن والله أعلم.

     وبما أن الرحمن هو خالق الرحم في جوف حواء واشتق له اسما من اسمه وأن الرحيم هو صفة الرحمة المبالغ فيها، كانت الصلة بينهما هي التي أوضحها الحديث القدسي سابق الذكر: ” أنا الرحمن خلقت الرحم واشتققت له اسم من اسمي …” فمن يصل الرحم المشتق من الاسم الرحمن يستحق الرحمة المبالغ فيها بالاسم الرحيم . فمن يصل رحمه يوصله الله الذي هو الرحمن برحمته المتصف بها الرحيم ومن قطعها يقطعه الله من رحمته باسمه الرحيم فلا يدخل الجنة قاطع رحم.

     فيستنبط من ذلك أن الإله الرحمن يكفل المغفرة والأجر الحسن في الآخرة لمن آمن به، وذلك  باسم صفة رحمته الرحيم لقوله تعالى: {إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرحمن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ}11 يــس

  • سر ارتباط الاسمين الرحمن والرحيم في القرآن كله

    إن سر ارتباط الرحمن والرحيم في كل القرآن أحسبه يكمن في تسلسل الآيات التالية:{قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ} {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ}{ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ}{فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ}                                                                                9-12 فصلت

     هذه الآيات توضح أن رب العالمين قد أكمل خلق الأرض وما فيها وما تحتها في أربعة أيام ثم أكمل خلق السماوات وما فيهن في يومين كما جاء في تفسير ابن كثير وقول ابن عباس. أي أنه خلق السماوات والأرض وما فيهن وما بينهن وما تحت الثرى في ستة أيام.  فرب العالمين الذي خلق كل هذا الخلق واستوي على عرشه، هو: الإله الواحد الأحد المنزه من الشريك والأنداد. فمن أسماء صفاته إذاً هي “الخالق“، “الملك”، “القدوس”، “السلام”

“المؤمن”، “المهيمن”، “العزيز“، “الجبار” و”المتكبر” بخلقه وبمملكته وبعظمته وبعرشه كما أوضحه ابن كثير أيضاً

بقوله: { ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ } أي: العزيز الذي قد عز كل شيء فغلبه وقهره،  العليم بجميع حركات المخلوقات وسكناتهم. الجبار المتكبر ومن أسماء صفاته كما ثبت بالآيات “الحي القيوم” الذي لا يموت و لا ينوم ولا يأكل. “الأول” الذي لم يكن قبله شيء، الآخر” الذي لم يكن بعده

بما في غيبه، “المبدىء” للكون والمعيد له في يوم القيامة. أي أنه الرب الذي له جميع اسماء صفة الجلال. أي علمنا بأنه “الرب ذي الجلال“. وبهذه الصفات كلها علمنا باسم صفته “الجليل” ومن ثم أطلق “الرب ذو الجلال” على ذاته اسماً علماً هو”الرحمن”.

وبالاسم “الرحمن” أكمل “الرب ذو الجلال” خلقه في السماء بخلق أبينا آدم من صلصال. وبخلقه لأبينا آدم علمنا بنعته “الرب الكريم”. حيث أن نعت “الرب الكريم” هو نعت يخص خلق الإنسان وتعديله وتصويره ( أي خلقه نطفة ثم علقة ثم تعديله أي تبرئة الذكر من مكونات الأنثى وتبرئة الأنثى من مكونات الذكر) ثم تصويره في الشكل النهائي الذي يخرج به من بطن أمه. وذلك مبني على الآيات التالية: {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ}{الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ}{فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ}                                                6-8 الانفطار

وقد ورد اسم صفة “الرب الكريم””الخالق البارئ المصور“.”الخالق البارئ المصور” في الآية:{هُوَ الله الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}                         24 الحشر

وعندما تضاف صفة “الرب الكريم” أي صفة خلق الإنسان وتعديله وتصويره لصفة “الرب ذي الجلال“، تصير صفة الرب هي “الرب ذي الجلال والإكرام”. وبتعبير آخر: أن صفة “الرب ذي الجلال والإكرام”، هي صفة الرب الذي سمى نفسه الرحمن بعد أن أكمل خلقه في السماء بخلق أبينا آدم من تراب. وبالتالي صار الاسم العلم الرحمن جامعاً لكل أسماء صفات “الرب ذي الجلال والإكرام“.  ونهاية سورة الرحمن تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام تؤكد أن اسم الرب المنزه ومقدس من كل شرك والذي خلق الإنسان وعلمه البيان هو الرحمن الذي ورد في أول السورة.  وعندما عصى أبونا آدم ربه وغوى بإتباعه للشيطان تاب الرحمن عليه. فأخبرنا باسم صفته “لتواب”.  وبعد إنزال أبوينا آدم وحواء ومعهما إبليس إلى الأرض، أطلق الرحمن أي “الرب ذو الجلال والإكرام” علي ذاته علماً آخراً هو”الله”.  إذاً يتطابق الاسمان الرحمن والله تطابقاً كاملاً في هذه المرحلة لأن كلاً منهما اسم للرب ذي الجلال والإكرام” وبالاسم الله بدأ ربنا جلّ وعلا خلق الإنسان من علق في الأرض مكملاً بذلك كل الخلق في الأرض وفي السماء. فخلق الإنسان من طين هو آخر الخلق في السماء، وخلق الإنسان من علق هو آخر الخلق في الكون كله. وبإكمال الخلق في الأرض بخلق الإنسان من علق كتب “الرب “ وباسمه الله علي نفسه فوق عرشه: ” إن رحمتي سبقت غضبي” بناءً على الحديث التالي: عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لما قضى الله الخلق كتب كتاباً عنده غلبت أو قال سبقت رحمتي غضبي فهو عنده فوق عرشه”:  موضحاً بذلك اسم نعت رحمته المبالغ فيها “الرحيم“. أي أنه أضاف نعت آخر لنعت “الرب ذي الجلال والإكرام” وهو نعت “ذو الرحمة والفضل“. فكانت العظمة كل العظمة حيث أخبرنا بنعته “الرب ذي الجلال والإكرام وذي الرحمة والفضل“. وأحسب أن صفة “الرب ذي الجلال والإكرام وذي الرحمة والفضل” قد جمعت في صفة واحدة هي “الرب العظيم” بناءً على الآية: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ}                                                    (52) الحاقة

فإذا تمعنا في الآية نجد ان الأمر فيها هو التسبيح باسم الرب العظيم. ولكن جاء تنفيذ الأمر كالآتي: “سبحان الله

العظيم”. أي أن الاسم الله قد حل مكان اسم ربك “العظيم” تماماً كما حل الاسم الرحمن محل اسم ربك” ذي الجلال والإكرام”.  بذا يكون الاسم الرحمن هو الاسم المكون من كل أسماء الله الحسنى المكونة للرب ذي الجلال والإكرام، ويكون الاسم الله هو الاسم المكون من جميع الأسماء التي

يتكون منها الاسم الله زائداً عليها اسم الرحيم

الذي هو اسم صفة “ذي الرحمة والفضل”. وهذا هو الفرق بين الاسم الرحمن والاسم الله. أي أن الاسم الرحمن لا يشمل اسم صفة الرحمة المبالغ فيها “الرحيم“. ولكن اسم الله يشمله. ومن أجل تكافؤ الاسم الرحمن مع الاسم الله، أضيف اسم الرحيم للرحمن. فعندما تضاف صفة الرحمة المبالغ فيها إلى صفات الاسم الرحمنذو الإكرام” يكوّن الاسمان “الرحمن الرحيم” اسماً واحداً لصفة المفاضلة “الرب الأكرم” أي أنه لا يوجد مخلوق أكرم من رب العالمين الذي اسمه الله واسمه الرحمن. أي أن اسم “الرحمن الرحيم” هو اسم لصفة “الرب ذي الجلال والإكرام والرحمة والفضل” الذي يطابق اسم صفة “الرب العظيم” الذي هو الله والله أعلم. عليه يكون ارتباط الاسمين ” الرحمن والرحيم” وتلازمهما له مدلوله. ولهذا جاء الاسمان  “الرحمن الرحيمكاسم واحد لذات الإله الذي لا إله إلا هو في الآية التالية: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرحمن الرَّحِيمُ}                                                                             163 البقرة

    فيستنتج من ذلك أن للرب نعوت مفاضلة تدل على صفاته التي لم يكافئه فيها أحد. وهي تأتي نكرة ومكونة من أكثر من اسم. وكمثال لتلك النعوت: “عزيز حكيم” هي صفة مفاضلة نتجت من قوله:”ولله العزة جميعها” فلا عزة إلا من عزة الله. بمعنى آخر أنه لا يوجد أعز منه لأنه يمتلك العزة جميعها. و”علي عظيم” هي صفة المفاضلة “الرب الأعلى” كما ورد في الآية: ” سبح اسم ربك الأعلى” فلا أعلى منه. ولنعوت المفاضلة هذه أسماء. وأسماؤها هي نعوت المفاضلة نفسها ولكنها معرفة بالألف واللام. فمثلاً اسم نعت المفاضلة “عزيز حكيم” هو”العزيز الحكيم“. واسم نعت المفاضلة  “علي عظيم” هو”العلي العظيم” .أي أن الألف واللام من أصل الأسماء وليست للتعريف. والقرآن العظيم يحتوي على الكثير والكثير جداً من نعوت المفاضلة التي تدل على وحدانية ذات الإله. نذكر منها “خير الغافرين”،” أحسن الخالقين” و”أحكم الحاكمين”. فلا يمكن لمخلوق أن يتصف بها أو يتسمى بهذه الأسماء لأنها صفات قد تفرد بها الإله دون شريك، وهي التي أخبرت عنها سورة الإخلاص :{قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ} { الله الصَّمَدُ} {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ}{وَلم يكن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ}                                                                      1-4 الإخلاص

      وبما أن أسماء المفاضلة هي أسماء وحدانية، فهي أسماء صفات ذات الإله الحسنى الذي اسمه الله واسمه الرحمن التي أخبرتنا عنها الآية التالية: {قُلِ ادْعُواْ الله أَوِ ادْعُواْ الرحمن أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً}                                                                              110 الإسراء

وقد ورد في الجامع لأحكام القرآن ما يسند ذلك وهو: ( أكثر العلماء على أن الرحمن مختص بالله عز وجل، لا يجوز أن يسمى به غيره، ألا تراه قال:” قُلِ ادْعُواْ الله أَوِ ادْعُواْ الرحمن ” الإسراء 110  فعادل الاسم الذي لا يشركه فيه غيره. وقال: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} الزخرف 45 فأخبر أن الرحمن هو المستحق للعبادة جل وعز.)

         ومن الحديث الذي ورد في صحيح بخاري  تحت باب “ما يذكر في الذات، النعوت وأسامي الله” يتضح  أن للذات نعوت أخرى  ولتلك النعوت أسماء. عليه تم استنباط أسماء الذات وأسماء صفاتها ونعوت الذات وأسماء نعوت الذات بناءً على ما في الجدول “1”. ولكن هذا الجدول لا يوضح إلا جزءاً يسيراً من أسماء نعوت الذات أي أي أسماء صفات المفاضلة التي لم ولن يكافئ الله فيها أحد.  عليه يمكن أن تحصى أسماء صفات المفاضلة لذات الإله الحسنى من

آيات القرآن على نفس النهج الذي في الجدول لمن أراد أن يحصيها والله أعلم.

                  جدول (1)  ما يذكر في الذات، النعوت وأسامي الله

أسامي

الذات

أسماء

أسامي الذات

نعوت الذات وهى نعوت المفاضلة وأسماؤها هي أسماء

مركبة من اسمين أو أكثر من أسماء أسمامي الذات

 الله

و  الرحمن

 

 

 الله

الرحمن

الرحيم

الملك

القدوس

السلام

النعت “الرب الأكرم”         واسمه          “الرحمن الرحيم”

النعت “رب العزة جميعها”    واسمه           “العزيز الحكيم”

النعت “الرب الأبقى”         واسمه           “الحي القيوم”

النعت “خير الغافرين”        واسمه           “الغفور الرحيم”

النعت “أرحم الراحمين”       واسمه           “الرحيم االغفور

النعت “خير التوابين”         واسمه          “التواب الرحيم

خامساً: كيفية مجيء {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} من آيات سورة العلق والسبب في نزولها بهذه الصورة

  • كيفية مجيء “بسم الله الرحمن الرحيم” من آيات العلق

     بالتمعن في آيات سورة العلق نلاحظ أن الأمر بالقراءة قد جاء محدداً تحديداً دقيقاً بأن تبدأ باسم الرب الذي خلق: “اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ”. ثم جاء تحديد لإسم الرب الذي خلق  بخلق الإنسان من علق: {خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ}. فما هو السر في ذلك التحديد الدقيق؟

لقد أجاب الشعراوي على هذا السؤال بالآتي: “إن الله يريد أن يوضح لرسوله أن الله الذي خلق الإنسان من عدم يستطيع أن يجعله يقرأ وهو أمي حين قال الرسول صلى الله عليه وسلم لسيدنا جبريل: ما أنا بقارئ، أي لا يعرف القراءة.” ولكن ما يزال السؤال قائماً وهو: لماذا حدد الله خلق الإنسان من علق وهنالك خلق آخر للإنسان من عدم وهو خلقه من صلصال؟ فإذا كان الهدف هو توضيح مقدرة الله للرسول صلى الله عليه وسلم بخلق الإنسان ، ألم تكن مقدرته في خلق الإنسان من عدم أي من طين أكبر من خلقه من علق.ألم يكن خلق السموات والأرض أكبر من خلق الإنسان كما جاء في الآية:{لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}57 غافر

فلو كان الأمر كما ذكره الشعراوي لأوضح الله لنبيه مقدرته بخلق السماوات والأرض من عدم أو بخلق الإنسان من عدم.  ولكنني أحسب أن وراء هذا التحديد حكمة بالغة. فإذا تدبرنا في الأمر بالقراءة “اقرأ باسم ربك الذي خلق” خلق الإنسان من علق ”  نجد أن تنفيذه جاء منه الجزء الأول “بسم الله” وجاء تنفيذ القراءة في الجزء الثاني ” اقرأ وربك الأكرم” ولكن من الملاحظ إنه لم يكن  (بسم الله وبالرب الأكرم)بل كانت القراءة (بسم الله الرحمن الرحيم).

     إن خواطري في ذلك توحي بأن القراءة مكونة من اسمين هما ” الله” و”الرحمن الرحيم”. فمن واقع حياتنا نجد أن الإنسان يمكن له قول “بسم الله” فقط بناءً على الآية” {وَقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}      (41) هود ويمكن القول {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} كاملةكما ورد في الآية: ” إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ ”    30 النمل

    لقد علمنا مما تقدم أن الرب ذا الجلال والإكرام قد خلق أبانا آدم من صلصال باسمه الرحمن وأن “الرب الأكرم” قد

خلق نسله من علق في الأرض باسمه الله أو باسمه “الرحمن الرحيم” المطابق لاسمه الله. إذاً يستنبط أن مصدر الشطر

الأول {بِسْمِ اللّهِ} سببه أن الله قد أراد أن يكون الشطر الأول بالاسم الجامع الله “الذي خلق الإنسان من علق. وبما أن القراءة في الشطر الثاني كانت ببسم الرحمن الرحيم وليست بالصفة الرب الأكرم فإن هذا يعني أن هنالك جملة مستترة تقديرها “وأقرأ باسم” أي أن أصل الأمر كان كالآتي: ” اقرأ باسم ربك الذي خلق وأقرأ باسم ربك الأكرم”.  فحل اسم ” الرحمن الرحيم” محل الصفة “الرب الأكرم” كما حل الاسم الله محل صفة الرب الذي خلق الإنسان من علق.

     وبما أن اسم “الرحمن الرحيم” يعدل اسم “الله” كما تم استنتاجه من قبل فهو إذاً اسم جلالة شفع يذكر به الإله كما يذكر بالاسم الوتر الله. ويستنتج أيضاً أن ذكر الإله يكون بأسمائه فقط وليس بالصفات. كما يكون الذكر بأي من شطري الآية أو بالآية كاملة والله أعلم.  ومن هنا يبرز السؤال التالي: إذا كان اسم الرحمن إسم جلالة ، فلماذا تحدد أن يكون الشطر الأول بالاسم الله ولم يكن بالاسم الرحمن؟ وخواطري في ذلك تشير إلى سببين:

أولهما: أن اسم الجلالة الله هو الاسم الأصل والأشمل كما ذكر سابقاً وذكره في أم الكتاب، يؤكد أنه أصل الأسماء الوتر. إذاً ذكر الإسم الله في البداية أي في الشطر الأول له وزنه، والله أعلم.

ثانيهما: أن تكرار اسم الرحمن في الشطرين كالآتي: “بِسْمِ الرحمن الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ” يسبب ثقلاً في النطق والله أعلم مرة أخرى.

     و سورتي الرحمن والنحل تعضدان هذا الاستنتاج. حيث يلاحظ ان آيات سورة  الرحمن التي كانت كلها أخبار عن الاسم الرحمن كانت  سرداً لآلاء الرحمن ونعمه واستنكاراً من المولى عز وجل على تكذيب الثقلين لتلك النعم. وأن من بين الأخبار عن آلاء الرحمنأنه خلق الإنسان وأن خلقه للإنسان كان من صلصال كالفخار كما في الآية : {خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ} 14  الرحمن  ولم تذكر السورة خلق الرحمن للإنسان من علق.  وسورة النحل التي جاءت من حيث الموضوعية مشابهة لسورة الرحمن في ذكر الآلاء والنعم واستنكار الخالق لجحود الخلق لها،  قد أنزلت بالاسم الله، فذكر الله  في هذه السورة خلقه للإنسان من علق كما في الآية:{خَلَقَ الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ}                   4 النحل  ولم يذكر في السورة خلقه  للإنسان من صلصال.

      ب- سبب نزول الآية بهذه الصورة من الآيات والأحاديث

    أحسب أن الآية قد أنزلت بهذه الصورة أي مجملة المعنى‘ لتجذب انتباه الناس للإسلام فتجعلهم مرتبطين بالاسلام عن طريق التفكير في معناها. وقد أشار إلى ذلك حديث السيدة عائشة رضي الله عنها:  “إن أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا أثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام…” حيث أوضح الحديث أن بعض الآيات قد أنزلت غير مفصلات أي محكمات غير واضحات المعنى ليتساءل عنها الناس فينزل تفصيل معناهن شيئاً فشيئاً حتى يتضح كاملاً ليرتبط الناس به وهو معنى التفصيل وكمثال لذلك نزلت الآية: “إن إلى ربك الرجعى”. فعند نزول مثل هذه الآية  ينجذب إليها الناس لمعرفة ما معنى الرجعى وما هي الأشياء التي ترجع لرب العالمين؟ ولماذا الرجعى؟ وماذا يحدث فيها؟ فتنزل السور الطوال المفصلات لتوضح أن الخلق سيرجعون لله في موعد محدد لربهم للحساب. فيعلمون أن هنالك جنة ونار. ويقال: إن أول سورة من المفصل هي سورة المدثر. وأوضح الحديث أن القصد من ذلك هو أن يثيب الناس للإسلام أي يعتنقوه أولاً. ومن ثم تنزل الأحكام والأوامر والنواهي. إذاً نزلت البسملة بهذه الصورة لتجدب الناس وقت نزولها ولنجتهد نحن في استنباط معانيها من الآيات المفصلات.

     وقد أظهر تفصيل الآيات بالفعل ما كان مستتراً في الآية: {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، مثل كلمة “وأقرأ باسم” التي في الشطر الثاني من القراءة، ومثل ما نتج من أن “الرحمن الرحيم” هو اسم واحد ولكنه شفع لأنه صفة مفاضلة تخص ذات الإله عز وجل وحده لا يكافئه فيها أي مخلوق والله أعلم.

      سادساً: المقصود ب {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} وحكمها من الآيات والأحاديث

  • المقصود بالبسملة

أولاً:  أداة لذكر الإله بأسمائه توكيداً لتوحيده ونبذ شركه

       لقد كان الناس قبل نزول الوحي على سيدنا محمد يعبدون أصناماً كثيرة لها أسماء كاللاة والعزة. ومن أجل تزكية نفوسهم من الشرك، كان لابد لهم أن يبدءوا إسلامهم وإيمانهم بنطق كلمة التوحيد:”لا إله إلا الله” التي يذكر فيها توحيد الإله الذي اسمه الله بصورة مباشرة.    إذاً هنالك قولان متفقان في المعنى ومختلفان في اللفظ؛ أحدهما “لا إله إلا الله”. والهدف منه هو تزكية النفس أولاً من الشرك بإعلان ” توحيد الإله” بصورة واضحة ومباشرة، والآخر لتوكيد نبذ الشرك بلفظ {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}. ففي هذا اللفظ توكيد وتثنية للتوحيد “لا إله إلا الله” بداخله وذلك بتثنية ذكر اسم الوحدانية الوتر “الله” بذكر اسم وحدانية آخر شفع وهو “الرحمن الرحيم” الذي هو اسم مفاضلة لا يتسمى به احد.

فذكر “لا إله إلا الله” أولاً هو إعلان اعتناق دين الإسلام وهو التوحيد. وذكر ” بسم الله الرحمن الرحيم” هو توكيد وتثنية لقول لا إله إلا الله. وذلك لأن هنالك منافقين قالوا “لا إله إلا الله” فقط دون التصديق بها ولهذا انقلبوا على عقبيهم. فمن يعلن إسلامه بقول “لا إله إلا الله” صادقاً ومتيقناً من وحدانية الإله، عليه أن يؤكد ذكره للإله باسمه الله بقول: {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} أي بذكر اسميه “الله” و”الرحمن الرحيم” قبل الشروع في أي قول أو عمل. والدليل على ذلك هو الآيتان: {قَدْ أَفْلَحَ مَن َتزَكَّى}{وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} 14-15 الأعلى   اللتان جاء معناهما بالآتي: (عن جابر بن عبد الله يرفعه: ” قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى” قال: من شهد أن “لا إله إلا الله”، وخلع الأنداد، وشهد أني رسول الله وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى. قال:  هي الصلوات الخمس والمحافظة عليها والاهتمام بها. ومعنى ذلك أن ذكر اسم الإله يأتي بعد تزكية النفس من الشرك أي بعد “لا إله إلا الله”. وبمعنى آخر أن من يقول: {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، نعلم أنه من المؤمنين الذين يشهدون حقاً أن”لا إله إلا الله”.

        لقد أوقع الذكر موقع الإيمان والكتاب أي القرآن في كثير من الآيات كالآيه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} 9 الحجر   التي أوضحت أن الذكر هو القرآن كما ورد في تفسير ابن كثير: (قرر تعالى أنه هو الذي أنزل عليه الذكر، وهو القرآن، وهو الحافظ له من التغيير والتبديل.) ويؤيد ذلك الآية: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ} 41 فصلت  التي نصت بوضوح “أن الذكر هو الكتاب العزيز”. وفي الآية: { وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰ آمَنَّا بِهِ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً }15 الجن     فأوقع الهدى موقع القرآن والذكر والكتاب كما جاء في تفسيرها: (قوله تعالى: {وَأَنَّا لَمَّا  سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰ} يعني القرآن {آمَنَّا بِهِ} وبالله، وصدّقنا محمداً صلى الله عليه وسلم على رسالته.

وبما أن الذكر هو الكتاب وأن الفاتحة هي أم الكتاب تكون “بسم الله الرحمن الرحيم” هي أصل الذكر وأمه”

  • أداة تكرار لدعاء الإله في النفس تضرعاً وخيفة

   إن الآية: {وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ}

                                                                                                        205 الأعراف

قد أوضحت أن الذكر نقيض الغفلة ونقيض التعدي على حدود الله. وعليه يكون الذاكرون نقيض الغافلين

 أي أن الذكر هو استحضار دائم لاسم الخالق في القلب والعقل خشيةً ورجاءً. حيث أوضحت الآية أن الذكر لابد أن يكون تضرعاً أي رغبة في مرضاة الله و خيفة أي رهبة من عذابه. وبما أن الكفار لم ولن يستحضروا إسم الله أبداً، يكون الذكر نقيض الكفر والذاكرون نقيض الكافرون.  حيث ورد معنى الآية كالآتي: { وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ } هو عام في الأذكار من قراءة القرآن والدعاء والتسبيح والتهليل وغير ذلك { تَضَرُّعًا وَخِيفَةً} متضرعاً وخائفاً { وَدُونَ ٱلْجَهْرِ} ومتكلماً كلاماً دون الجهر، لأنّ الإخفاء أدخل في الإخلاص وأقرب إلى حسن التفكر {بِٱلْغُدُوّ وَٱلأَصَالِ} لفضل هذين الوقتين)

ج-  أداة تكرار يضمن بها العبد ذكر ربه يوم القيامة                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                             

      توضح الآيتان التاليتان: {وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَافِرِينَ } {الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ}                                                       50-51 الأعراف

 أن الذكر نقيض النسيان، وأن سبب النسيان والغفلة عن ذكر الله هو عدم الإيمان الصادق به ودثر حقيقة وحدانيته وملكيته لليوم الآخر. وقد جاء معنى الآيتين كالآتي: (ألقوا علينا مما رزقكم الله من الطعام والفاكهة … وإنما يطلبون ذلك مع يأسهم من الإجابة إليه حيرة في أمرهم، كما يفعل المضطر الممتحن. { حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ } منعهم شراب الجنة وطعامها كما يمنع المكلف ما يحرّم عليه ويحظر… { فَٱلْيَوْمَ نَنسَـٰهُمْ } نفعل بهم فعل الناسين الذين ينسون عبيدهم من الخير لا يذكرونهم به { كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَـٰذَا } كما فعلوا بلقائه فعل الناسين، فلم يخطروه ببالهم ولم يهتموا به.)  فقول الله سبحانه وتعالى: (حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَافِرِينَ) يشير إلى أن الذين نسوا ذكره هم كافرون مما يدل على أن الذكر هو الإيمان والذكرون هم المؤمنون وبالتالي يستنبط أن: “بسم الله الرحمن الرحيم هي أصل الإيمان لأنها أصل الذكر.

د- أداة لضمان الإخاء والمحبة بين العباد

أما الآية {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ الله بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ}                                                       14 المائدة

 فتوضح أن عدم الذكر يؤدي إلى العداوة والبغضاء كما يؤدي إلى نسيان الله لمن ينساه. إذاً نستنتج من كل هذه الآيات

 أن قول “بسم الله الرحمن الرحيم” هو أصل الذكر الذي يؤكد به  المؤمن توحيد ربه باستحضاره في قلبه دائماً وأبداً فيكون على الصراط المستقيم. كما يتجنب المؤمنون بتكرار قول “بسم الله الرحمن الرحيم” العداوة والبغضاء بينهم، ويفوزون بالجنة ونعيمها.

      من تحليل الأحاديث

     أحسب أن حديث السيدة عائشة رضي الله عنها :  كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر ربه على كل أحيانه.  يوضح استجابة الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم لأمر ربه سبحانه وتعالى الذي وجهه له بأن يذكره تضرعاً وخيفة بالغدو والأصال. ويستنتج منه أن الذكر دعاء مستمر ومتكرر للخالق باسمه على كل الأحيان لاستحضاره في القلب توكيداً للإيمان بوحدانيته أولاً واكتساباً لرضائه واجتناباً لغضبه ثانياً.

أما الحديث: عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ما من عبد يقول في صباح كل يوم ومساء كل ليلة: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ، ثلاث مرات، إلا لم يضره شيء. فهو يوضح أن ذكر المؤمن لخالقه

باسمه الله

لاجتناب الضرر. فحين يبدأ ببسم الله فكأنما قال يارب باسمك الله جنبني الضرر. فيعضد هذا الحديث تبادل المنفعة بين الخالق والعبد التي صورتها الآية: {لَن يَنَالَ  الله لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ}. فبذكر الله يتقي المؤمن ربه ومقابل ذلك يجد الخير ويجتنب الضرر. وبالتدقيق في الحديث التالي:عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني. فإن ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسه، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم،  نجده يوضح مقصداً آخراً من ذكر اسم الله المتكرر باستمرار وهو: أن يكون العبد في حالة اتصال دائم مع خالقة لا ينقطع عنه. والإتصال الدائم مع رب العزة من أرفع صور التوكيد والتثنية  لتوحيد الإله والإيمان الخالص له. فالذي يذكر الله يذكره الله ويدخله في رحمته. وقد جاء الحديث القدس: من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أكثر مما أعطي السائلين موضحاً مكانة الذكر عند الخالق. ومن لم يذكر الله ينساه الله  ويطرده من رحمته. حيث إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” المسلم إذا سئل في القبر، شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فذلك قوله: { يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلأَخِرَةِ }

فالقول الثابت هو الشهادة وما يثبتها ويقويها من القول المتكرر من الذكر كقول “بسم الله الرحمن الرحيم  في بداية كل قول وعمل

إذاً يمكن تلخيص المقصود بقول ” بسم الله  الرحمن الرحيم ” في بداية كل قول وعمل من الآيات والأحاديث بأنه:

  • ذكر للإله باسميه الوتر وباسمه الشفع توكيداً وتثنيةً لتوحيده
  • تثبيت المؤمن على توحيد الإله بتكراره
  • إتصال العبد الدائم مع ربه وتبادل المنفعة بينهما
  • دعاء يجلب الخير لصاحبه ويبعد عنه الضرر

سابعاً: حكم “بسم الله الرحمن الرحيم” من تحليل آيات القرآن و الأحاديث

     لقد استدل بعض العلماء على أن حكم قول {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} في بداية كل قول وعمل مستحب ببعض الأحاديث النبوية.  عليه سوف يبدأ البحث في الآيات المفصلات التي نزلت في نفس مواضيع الأحاديث التي استدل بها العلماء لاستنباط الحكم من الآيات التي نزلت في الذبيح وفي الأكل منه. ثم يتم البحث في آيات أخر لتوضيح حكم البدء ب{بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} في الأقوال والأعمال الأخرى. ومن ثم يتم تحليل الأحاديث التي استدل بها العلماء في حكم ذكر اسم الله على الذبيح وعلى الأكل منه ثم تحليل أحاديث أخرى وردت في أقوال وأعمال أخرى.

أولاً: من آيات الذكر على الذبيح والصيد والأكل

     بالتمعن في آيات الذبيح والصيد والأكل يمكن استنباط حكم ذكر اسم الله منها والآيات هي: { فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسم الله عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ}                                                                     118 الأنعام

لقد جاء حكم البدء ببسم الله على الذبيح في هذه الآية بصيغة الأمر افعلوا “فكلوا مما ذكر اسم الله عليه”. فتجلى فيها

حكم بدء ذكر الإله باسمه الله على الذبيح بأنه امر من أوامر الله يجب طاعته، أي أن قول بسم الله الرحمن الرحيم على الذبيح فرض وواجب. ثم أوضحت نهاية الآية أن الأكل مما ذكر اسم الله هو توكيد للإيمان” إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ“. إذاً جاءت الآية بفعل شرط وجواب شرط. وبمعنى آخر إن أكل المؤمن مما ذكر اسم الله عليه يؤكد إيمانه بنعم الله عليه.

كما ورد في قول عطاء: (هذه الآية أمرٌ بذكر ٱسم الله على الشَّراب والذبح وكلّ مطعوم. وقوله: { إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ } أي بأحكامه وأوامره آخذين؛ فإن الإيمان بها يتضمّن ويقتضي الأخذ بها والانقياد لها.) وقوله { وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسم الله عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أوليائهم لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ}                                                                                                121 الأنعام  قد جاء  مؤكداً ومثنياً  للآية 118 أي مؤكداً أن حكم ذكر”بسم الله الرحمن الرحيم”  هو فرض حيث أن عدم ذكر اسم الله على ما يراد الأكل منه قد أوقع موقع الفسوق والشرك أي عدم التوحيد. وقد جاء في بعض آراء العلماء ما يلي2: ( قال الله تعالى: { فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ } وقال: { وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ } فبيّن الحالين وأوضح الحكمين. فقوله: «لا تأكلوا» نهيٌ على التحريم لا يجوز حمله على الكراهة؛ لتناوله في بعض مقتضياته الحرام المحض، ولا يجوز أن يتبعّض، أي يراد به التحريم والكراهة معاً) . أما الآية التالية :{يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ الله فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ الله عَلَيْهِ وَاتَّقُواْ الله إِنَّ الله سَرِيعُ الْحِسَاب}4 المائدة   فقد جاء فيها الأمر بالتقوى وأخيراً التحذير لمن لم يتق. إذاً يتقي المؤمن ربه بذكر اسمه على الذبيح وعلى الأكل والدليل على ذلك قول الله: “وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أوليائهم لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ”. حيث أوضح الله تعالى لأبينا آدم وأمنا حواء أنه سينزل عليهم هدىً. وأن هنالك خياران فقط لا ثالث بينهما؛ إما إتباع أوامر الله الذي يعني الهدى والتقوى أو إتباع الشيطان الذي يعني الضلالة والفسوق.

 فالذكر إذاً هو تقوى لله بمعنى أن المؤمن عندما يذكر اسم ربه يكون قد أطاع الله وصمد في وجه الشيطان عاصياً له. وبما أن التقوى فرض على كل مؤمن ومؤمنة يكون ذكر اسم الله على الذبيح والأكل فرض لأنه تقوى. وقد جاء في معنى الآية: (أحل لكم الذبائح التي ذكر اسم الله عليها، والطيبات من الرزق، وأحل لكم ما اصطدتموه بالجوارح، وهي الكلاب والفهود والصقور وأشباهها…) أي أن ما لم يذكر اسم الله عليها من الذبائح فهي محرمة والله أعلم.

ثانياً: من آيات الحج

     إن الآيتين التاليتين توضحان أن الله قد جعل لكل أمة منسكاً من أجل أن يذكر اسمه على رزقهم من الأنعام:{وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ الله عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ َفلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ}{الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَالله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}

                                                                                               34-35 الحج

وإذا تمعنا جيداً في قوله تعالي : فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين 34 الحج نجد أن  الله يأمر الناس بتوحيده والإستسلام له بذكر اسمه. وقد جاء في قوله تعالى:” لِيَذْكُرُوا اسْمَ الله عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ” ما يلي2:(أي على ذبح ما رزقهم. فأمر تعالى عند الذبح بذكره وأن يكون الذبح له؛ لأنه رازق ذلك. ثم رجع اللفظ من الخبر عن الأمم إلى إخبار الحاضرين بما معناه: فالإلٰه واحد لجميعكم، فكذلك الأمر في الذبيحة إنما ينبغي أن تخلص له. وجاء في قوله تعالى: { فَلَهُ أَسْلِمُواْ } معناه لحقّه ولوجهه وإنعامه آمنوا وأسلِموا. ويحتمل أن يريد الاستسلام؛ أي له أطيعوا وانقادوا.) إذاً ذكر {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} على كل شيء هو دليل أي توكيد وتثنية للإيمان الحق والتوحيد الخالص لله تعالى وانشراح الصدر بذكر اسم الله.

أما الآيتان:{وَأذن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} {ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات علي ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها واطعموا البائس الفقير}      27-28  لحج

فتوضحان أن أساس دعوة سيدنا إبراهيم للناس للحج هو: أن يشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات أي

أيام الحج علي ما رزقهم من بهيمة الأنعام  ثم الأكل منها، وإطعام البائس الفقير. قال ابن عباس: { لِّيَشْهَدُواْ مَنَـٰفِعَ لَهُمْ .

} قال: منافع الدنيا والآخرة، أما منافع الآخرة، فرضوان الله تعالى، وأما منافع الدنيا، فما يصيبون من منافع البدن، والذبائح والتجارات. وقال في أيام معلومات: الأيام المعلومات أيام العشر،)   أما الآية التالية فقد جاء الأمر فيها بذكر اسم الله على الأنعام وهي صواف أي متصافه قبل الذبح. وبعد ذكر اسم الله عند ذبحها حق الأكل منها وإطعام من يستوجب إطعامه. والآية هي:{وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ الله لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ الله عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}36الحج فقد استهلت الآية بالخير من النعم التي وهبها الله للحجيج والناس. وقد أوضح الخالق الحكمة من وراء تسخيرها لخلقه بقوله: كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون. وذلك باعتبار أن استعلاء اسمه عليها هو شكر لله اعترافاً له بأن النعم منه وحده لا شريك له، وفي ذلك توحيد مطلق لله وإيمان بنعه. وجاء في قوله1: { لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ } أي: ثواب في الدار الآخرة، وعن سليمان بن يزيد الكعبي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” ما عمل ابن آدم يوم النحر عملاً أحب إلى الله من إهراق دم. وإنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض، فطيبوا بها نفساً ”  وبما أنها من شعائر الله فيجب تعظيمها لقوله تعالى: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ الله فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} 32 الحـج

إذاً ذكر اسم الله على بهيمة الأنعام  في الحج هو تقوى وتوحيد وعبادة وشكر لله فحكمه فرض.

ومن أهم الآيات التي توضح أهمية الذكر تلك التي جاءت موضحة تبادل المنفعة من الذبيح بين الخلق والخالق وهي:

{لَن يَنَالَ الله لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا الله عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ} 37 الحـج  فللخلق المنفعة من لحومها ودمائها بعد ذبحها. وللخالق التقوى فقط. والتقوى هنا هي استعلاء اسمه قبل ذبحها كما ورد في معنى الآية2: (يقول تعالى: إنما شرع لكم نحر هذه الهدايا والضحايا لتذكروه عند ذبحها، فإنه الخالق الرزاق، لا يناله شيء من لحومها ولا دمائها، فإنه تعالى هو الغني عما سواه، وقد كانوا في جاهليتهم إذا ذبحوها لآلهتهم، وضعوا عليها من لحوم قرابينهم، ونضحوا عليها من دمائها، { لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ } أي: لتعظموه؛). وهذا يعني أن ذكر “بسم الله الرحمن الرحيم” قبل الذبح هو تقوىً لله. وكلمة التقوى هي “لا إله إلا الله”. مما يدل على أن “بسم الله الرحمن الرحيم” من جنس “لا إله إلا الله”. فكلاهما ذكر وكلاهما تقوى وكلاهما شكر.كما أوضحت الآية أن الله قد سخر النعم لتكبيره. إذاً تكبيره هو ذكر اسمه عليها. وبالتالي يكون ذكر اسم الله هو تكبير لله. وبما ان كلمة التكبير هي الله أكبر  تكون كلمة “الله أكبر” من جنس “بسم الله الرحمن الرحيم” ومن جنس “لا إله إلا الله”. أي أنها ذكر لاسم الله بصيغة أخرى.  ثم جاءت نهاية الآية وبشر المحسنين . فهل المخبتين الذين ورد ذكرهم في الآية 35 الحج وبشر”المخبتين” هم غير”المحسنين”؟ إن المحسنين هم المخبتون  الذين أحسنوا أعمالهم بطاعة الله وذكر اسمه فوجلت قلوبهم. فهما إذاً اسمان لصفتين لفئة واحدة. وأحسب أن الله  استبدل اسم صفة المخبتين باسم الصفة المحسنين لتفادي التكرار والله اعلم.

وأخيراً  أوضحت الآية: {وَقَالُواْ هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نّشَاء بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ اسم الله عَلَيْهَا افْتِرَاء عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ}138 الأنعام   أن عدم ذكر اسم الله على الأنعام هو افتراء عليه بجحود نعمه الظاهرة. وهذه الآية أكبر دليل على أن ذكر”بسم الله الرحمن الرحيم” على بهيمة الأنعام حكمه فرض. وأن الله سيعاقب من يفتري ولا يذكر اسمه عليها. كما ورد في معنى:

{ وَأَنْعَـٰمٌ لاَّ يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا } في الذبح، وإنما يذكرون عليها أسماء الأصنام. وقيل: لا يحجون عليها ولا يلبون على ظهورها).

       لقد جاء حكم الذكر فرض وواجب على الحاج في مواضع مختلفة، وبأهداف مختلفة. ففي الآية: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ الله عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ}198البقرة  إباحة بالتجارة وكسب الرزق وقضاء حاجة من حاجات الدنيا لما ورد في معنى قوله تعالى: “لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ ” وهو: (لا إثم عليكم في أن تبتغوا فضلاً من ربكم مع سفركم لتأدية ما افترضه عليكم من الحج. وفي قوله: “فَاذْكُرُواْ الله عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ” جاء الآتي: وكرّر الأمر بالذكر تأكيداً، وقيل: الأول أمر بالذكر عند المشعر الحرام، والثاني أمر بالذكر على حكم الإخلاص، وقيل: المراد بالثاني تعديد النعمة عليهم، و «إن» في قوله: { وَإِن كُنتُمْ مّن قَبْلِهِ }…قيل: هي بمعنى قد، أي: قد كنتم، والضمير في قوله: { مِن قَبْلِهِ } عائد إلى الهدي، وقيل: إلى القرآن.).

{فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ الله كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَق}                                                                                        200 البقرة

لقد كان الأمر بذكر الله عند المشعر الحرام “198 البقرة”، من أجل توحيد الله إعترافاً له بأنه هو الهادي للخلق ومطهرهم من الضلالة. وكان الهدف من الذكر الشديد بعد قضاء مناسك الحج  “200 البقرة”، هو نيل منافع الآخرة. أي أن الذكر الشديد يأتي أكله في الآخرة. لقد أكدت كل الآيات أن ذكر الله هو أمر من أوامر الله وهو تقوى وبالتالي حكمه الفرض

    عليه تتلخص الآيات في الدعوة لذكر الله وعدم الإنشغال عنه بأي سبب من الأسباب لأنه هو التقوى وهو الهدى وهو الإيمان. وبالتالي يستنتج من كل ذلك أن ذكر الإله باسمه “الله أي بقول “بسم الله” أو بقول “بسم الله الرحمن الرحيم” حكمه الفرض. والبشرى كل البشرى والخير كل الخير للذاكرين و العذاب كل العذاب والعقاب كل العقاب للغافلين الذين يتبعون الشيطان لعنه الله. ألم يأتي القرآن كله بشيراً ونذيراً؟

      ثالثاً: حكم البسملة من تحليل الأحاديث التي استدل بها العلماء

      لقد وردت الأحاديث المذكورة التي استدل بها العلماء، في ذكر {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} على الأكل والوضوء والجماع بصور مختلفة. فما هي الحكمة من وراء ذكر الأحاديث بهذه الصور؟ والإجابة على هذا السؤال تتطلب تحليل تلك الصور بهدف الوصول للمقصود منها والحكم فيها.

  • الصورة الأولى: كانت بصيغة الأمر الواضح وبطريقة مباشرة ” قل بسم الله وكل بيمينك وكل مما يليك.
  • الصورة الثانية: وردت في الحديث الذي يشير إلى حكم بسم الله في بداية الوضوء كالآتي: “لا وضوء لمن لا يذكر اسم الله عليه”. لم يكن الأمر بالبدء بقول {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ظاهراً. ولكن جاء في الحديث ما يوضح أنه لا يوجد وضوء إذا لم يذكر اسم الله فيه. أي أن الذي توضأ بدون ذكر اسم الله عليه فوضوءه غير مقبول.

إذاً يستنبط من ذلك وجود أمر للبدء ببسم الله ولكنه كان مستتراً تقديره: ” قولوا بسم الله عند الوضوء، فلا وضوء ….” فما السبب في أن يكون الأمر مستتراً وليس ظاهراً؟ أحسب أن السبب هو التركيز على توضيح عواقب الأمورالسيئة التي تترتب على القول أو العمل الذي لا يذكر فيه “بسم الله الرحمن الرحيم”.

  • الصورة الثالثة: يوضحها الحديث الذي ورد في الجماع: لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله

قال بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا, فإنه إن يقدر بينهما ولد لم يضره الشيطان أبدا.  لقد كان الأمر بذكر اسم الله في هذا الحديث مستتراً أيضاً تقديره: “قولوا بسم الله عند الجماع فلو أن أحدكم إذا أراد أن يأت….” يرجع السبب هذه المرة إلى التركيز على ما يترتب من منفعة علي قول بسم الله وذلك باستبعاد ضرر الشيطان.  وبما أن طاعة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم فرض بناءً على الآيات: {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ  الله وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا}                                                               80 النساء

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ}                                      20 الأنفال

وما جاء في الحديث: ” عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع الأمير فقد أطاعني، ومن عصى الأمير فقد عصاني ” يكون ذكر اسم الله أي قول “بسم الله الرحمن الرحيم” فرض.

  من القصص

    لقد أوضحت القصص التي هي هدىً وموعظة للمؤمنين ، أن سيدنا نوح عندما أراد أن يركب السفينة قد أمر من آمن معه من قومه أن يبدأوا ركوبها بذكر اسم الله كما ورد في الآية:{وَقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا بسم الله مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}                                                                                         41 هود

       فالآية 41 هود  توضح أن ركوب المركبة يستوجب ذكر اسم الله قبل بدء مسيرة المركبة تسليماً  بأن نعمة جريانها هى هبة الله وحده لا شريك له، وبالتالي فإن قيادتها ومجراها ومرساها لله    وحده الذي يمتلك التحكم فيها. ولولا رحمته “إن ربي لغفور رحيم” لم ولن يدفع البلاء عنها.  لذلك نجد أن استعلاء اسمه يجلب أمن المركبة ويجنب راكبيها ضرر الشيطان.

    كما بدأ أيضاً سيدنا سليمان كتابه إلى ملكة سبأ “ببسم الله الرحمن الرحيم” كما في الآيات {قَالَت يَا أَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ} {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بسم الله الرحمن الرحيم}                                  29-30 النمل

هذا وقد بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم كل رسالاته التي أرسلها لجهات مختلفة  “ببسم الله الرحمن الرحيم” . نذكر منها كتابه لوفد همدان1😦 {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} هذا كتاب من رسول الله محمد، لمخلاف خارف وأهل جناب الهضب وحقاف الرمل…) وكتابه إلى مسيلمة بن حبيب:( {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب…)

      إن المستفاد من كل ذلك هو أن بدء كل قول وعمل كان باسم الله علي اختلاف الأديان و باختلاف الرسل والأزمان. وأن هذه هي سنة الله ولن نجد لسنته تبديلاً ! وكل ذلك يؤكد ويعضد حديث الرسول صلى الله عليه وسلم – المذكور- الذي لا ينطق عن الهوى: أن كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ب{بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} فهو أجزم أو أقطع.

سابعاً:  حقيقة {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} هل هي آية أم لا

        لقد وجدت إجابات لكل الأسئلة التي فصلنا بها {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} في الآيات والأحاديث والقصص والأمثال. فأوضحت الاجابات معنى الآية وحكمها والمقصود منها وسبب نزولها ومعاني الأسماء والصفات فيها. عليه تعتبر {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} آية محكمة من المحكمات اللاتي فصلهن الحكيم الخبير.    لقد استنتجنا أن {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} هي ذكر للخالق بأسمائه الوتر والشفع. وبما أن الذكر هو القرآن وهو الكتاب وأن “بسم الله الرحمن الرحيم” قد وردت كآية في أم الكتاب فهي إذاً أم الذكر وأصله. كما أن تكرارها هو تؤكيد للإيمان بالله . إذاً هي مثنية ومؤكدة لكلمة التوحيد”لا إله إلا الله”. وبهذا تكون {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} أم وأصل المثاني والله أعلم. ولكن زيادة توكيد أن البسملة آية من الفاتحة لن يتأتى إلا ببرهان أن الآية (صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) هي آية واحده وليست بآيتين.

 

.

.

الدين الإسلامي هو الدين الحق

بسم الله الرحمن الرحيم

الحجة المقنعة بأن الدين الإسلامي هو الدين الحق

مقدمة

       لقد أخذ السؤال عن الأسباب التي تجعل الدين الإسلامي هو الدين الحق حيزاً كبيراً في الآونة الأخيرة.  وفي اعتقادي أن الإجابة تعتمد اعتماداً كبيراً على تعريف المصطلحات التالية: “الإله”،  “الدين”،  “الإسلام” ،  “الدين الإسلامي”  و”التي هي أحسن ” وثانياً تعتمد على مقارنة الدين الإسلامي بغيره من الأديان من الآيات القرآنية ومما نعيشه في واقع حياتنا الدنيوية.

    أولاً: تعريف الإله ، الدين،  الإسلام  والدين الإسلامي

1-  تعريف الإله

      إن كلمة الإله هي الاسم لأعلى مكانة  في هذا الكون. أي المكانة التي تدار منها شئون  كل المخلوقات في السماوات والأرض لما لها من حق التصرف فيهما وتدبير أمورهما. وهذا التعريف هو نفس تعريف مصطلح الرب. أي إن مصطلحي الإله والرب مترادفان. ونتيجة لتلك المكانة العظيمة وأهميتها في حياة الخلائق تنشأ في قلوب الناس علاقة حب للذات التي تتبوأها وفي نفس الوقت تنشأ علاقة خشية منها.  ولهذا صار اسم المكانة دلالة على الذات. ولنضرب مثلاً من واقع الحياة فمثلاً نجد أن كلمة رئيس البلاد هو اسم للمكانة التي تدار منها شئون البلاد. وبالتالي يمكن أن يقال قال الرئيس والقصد هو قالت الذات التي تتبوأ مكانة الرئيس. ومثال آخر مدير المدرسة يقال جاء المدير والمقصود هو جاء من يهو مدير للمدرسة.

     لقد اتخذت كل مجموعة من الناس مخلوقاً من المخلوقات الموجودة في هذا الكون واعتقدت إنه هو الإله لمجرد شعورهم بأنه هو الذي ينفعهم ويضرهم وصاروا يعبدونها ويقدسونها طلباً لنفعها واجتناباً لضررها. فمثلاً من الناس من يعتبر البقرة  هي الذات التي تتربع على العرش لأنها هي التي تمدهم بالغذاء. ومن الناس من شعر بأن الذي يتبوأ  مكانة الإله وله تأثير على كل المخلوقات  هو تمثال قد تم صنعه بأيديهم إما من الخشب أو من الحجارة أو من العجوة أو من أي مادة من المواد. وآخرون  اعتقدوا أن الشمس هي الإله وغيرهم كانوا يعتقدون أن القمر هو الإله. أما النصارى واليهود فقد اتخذوا رسلهم الذين هم بشر مثلهم  آلهة لهم. وبهذه الطريقة تعددت الآلهة في هذا الكون

2-  تعريف الدين

      من المقدمة يمكن تعريف الدين بأنه: اعتقاد فرد أو مجموعة من الناس اعتقاداً جازماً  في شيء محدد إما بشراً أو جماداً أو حيواناً أو…على إنه هو الإله الحق مما يؤدي إلى الارتباط به ارتباطاً روحياً . ونتيجة لذلك الارتباط الروحي يمجدونه ويقدسونه ويعبدونه ويقدمون له القرابين توسلاً وتضرعاً لجلب منفعته واجتناب ضرره.  ويعرف الدين أيضاً بالديانة وجمعها ديانات. ولهذا نجد أن لكل نوع من الاعتقادات أي الديانات مسمى. فمثلاً يسمى دين من يعتقدون في البقرة ويؤلهونها بالدين الهندوسي وتسمى ديانة من يؤله الأصنام بالديانة الوثنية. وتسمى ديانة من يتخذ المسيح إلهاً بالدين المسيحي وديانة من لا إله لهم بدين الإلحاد وتسمى ديانة من يتخذ عزير إلهاً بالدين اليهودي وهكذا 

3-   تعريف الإسلام     

       لقد نزلت الرسالة على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مخبرة أن رسالة الإسلام هي: أن لهذا الكون إله واحد لا إله غيره وان اسمه الله. وبالتالي يكون معنى الإسلام هو الاعتقاد الجازم والتسليم الكامل “بلا إله إلا الله” وما دونه هو الباطل كما جاء في الآية:{ ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ ٱلْبَاطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ } 62 الحج

إذاً الإسلام يعني الاعتقاد في وحدانية الإله الذي اسمه الله ونبذ شركه

 4-   تعريف الدين الإسلامي

إن الدين الإسلامي هو الدين أي الإعتقاد الجازم بالإسلام أي الاعتقاد بوحدانية الإله  أي بلا إله إلا الله. كما أوضح الله في رسالته أنه قد أرسل رسوله بالرسالة أي بالهدى ليظهر هذا الدين أي دين الإسلام أي دين الوحدانية على الدين كله أي على كل الأديان الأخرى بناءً على قوله تعالى:{هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} 33 التوبة.  

5- معنى (بالتي هي أحسن)

     لقد جاء في محكم تنزيله  أمر لرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم بالمجادلة “بالتي هي أحسن”:{ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ}  125 النحل

 فقد جاء معنى وجادلهم بالتي هي أحسن في معظم التفاسير بالآتي : من احتاج من الخلق إلى مناظرة وجدال، فليكن بالوجه الحسن برفق ولين وحسن خطاب.  ولكنني أحسب أن معناها هو  كلمة التوحيد “لا إله إلا الله” لأنها أحسن الكلام وأفيده. فهي وحدها جواز المرور للجنة والدليل على إنها هي الأحسن ما  ورد في قول الرسول صلى الله عليه وسلم إن أحسن ما قاله هو وقاله النبيون من قبله هو”لا إله إلا الله”. إذاً أحسن القول هو “لا إله إلا الله”. ولهذا أنزل الله هداه ورشده لرسوله صلى الله عليه وسلم بأن يجادل الناس”بالتي هي أحسن” أي أن يجادلهم بلا إله إلا الله لقوله تعالى: وقد أمر الله الناس أيضاً بأن يقولوا التي هي أحسن في قوله تعالى:{وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ ٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً} 53 الإسراء 

فقول لا إله إلا الله هو وحده الذي يطرد الشيطان ويمنعه من تفريق المؤمنين . كما أعتقد أن الله لم يترك القول للناس مفتوحاً كل فرد يعتقد أنه قال التي هي أحسن ولهذا  كانت التي هي أحسن هي الكلمة المطلوب من الناس قولها والله أعلم.

ثانياً:  الله هو الإله الحق

      سوف نتبع قول الله سبحانه وتعالى وجادلهم بالتي هي أحسن أي  بلا إله إلا الله. وذلك عن طريق استخدام الآيات التي أنزلها الله بصور مختلفة لتوكيد وحدانيته. حيث أنزل منها آيات اخبارية ومنها آيات تعجبية ومنها آيات استنكارية ومنها آيات تحدي. وبما أن الله قد أنزل آياته في جميع المجالات دون استثناء، سوف نذكر منها  بعض المجالات  للنظر في ما للآلهة الأخرى وما عليها في تلك المجالات. فإذا وجدنا أن هنالك ولو إله واحد منها يماثل الله في جميع تلك المجالات لم يكن الله هو الإله الحق. ولكن إذا تميز الله فيها جميعاً نكون قد برهنا أن الله هو الإله الحق بدون منازع.  والمجالات المختارة هي: النوع،  الأفعال، الصفات والأسماء.  ومن أجل تبيان وحدانية الله سوف نذكر آية أو اثنين من كل نوع من الآيات في كل مجال من المجالات الأربعة.

1- النوع

     إن من أهم ما يميز الله عن الآلهة الأخرى على الاطلاق هو تفرد نوعه  الذي يؤكد ويثني وحدانيته والآيات التالية توضح تفرد

 نوعه وطبيعته وهي:{ قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ}{ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ}{ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ}{ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} 1-4 الإخلاص 

حيث يستفاد من هذه الآيات أن طبيعة  الله ونوعه متفرد لا يوجد له شبيه ولا مثيل لعدم وجود والد أو صاحبة أو ولد له. وفي الوقت نفسه يوجد لكل مخلوق في هذا الكون عدد كبير من نوعه وأمثاله. فالبقرة يوجد منها ملايين من الأبقار يشبهونها ويماثلونها. والأصنام يصنع مثلها الكثير . وكذلك البشر كلهم متشابهون من حيث النوع البشري. فإذا قال المسيحيون أن عيسى لا يشبه الخلق لأنه مولود من أم فقط فنقول لهم أن أبانا آدم قد خلق مثله من تراب ومن غير والد أو حتى أم وكذلك أمنا حواء فقد خلقت من أبينا آدم من غير والد أو والدة. إذاً لسيدنا عيسى بشر يماثلونه في الطبيعة والنوع فلم يكن متفرداً.

2– الأفعال

2-1 خلق السماوات والأرض وملكهم وتدبير أمورهم

      إن أهم أفعال الله هي خلق وملك السماوات والأرض وما فيهن وما بينهما وما تحت الثرى مما جعل له حق التصرف فيهم وتدبير أمورهم لقوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُغْشِي ٱلَّيلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ}54 الأعراف

ولقوله:{ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ }6 طه وقوله أيضاً:{ يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ } 5 السجدة. أي إنه هو وحده خالق السماوات وما فيهن من ملائكة وشمس وقمر ونجوم وهو وحده خالق الأرض وما فيها من جبال وبحار وأنهار وإنس وجن وحيوانات ونبات ومواد كالحديد والخشب وغير ذلك. إذاً هو وحده المالك لهذا الكون والمدبر لأمره. وبهذا المنطق يكون هو الخالق ولم يخلق وجميع الآلهة الأخرى مخلوقة ومملوكة له. ولهذا تعجب الله من الذين يعبدون من دونه آلهة فيساوونهم به بقوله تعالى:{أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} 17 النحل وقوله أيضاً:{قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ قُلِ ٱللَّهُ قُلْ أَفَٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ لاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي ٱلظُّلُمَاتُ وَٱلنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ ٱللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّار} 16الرعد وقوله أيضاً مستنكراً:{أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ}{ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ}59 الواقعة

     وإذا نظرنا  في الآلهة الأخرى نجد أن جميعهم لا يستطيعون خلق ذبابة ولو اجتمعوا لها. والدليل على ذلك أن من العلماء من حاولوا  الاستنساخ ولكنهم لم ينجحوا إلى يومنا هذا وإذا نجحوا في يوم ما فهل يستطيعون استنساخ إمرأة من جينات رجل أو رجل من جينات إمرأة  كما خلق الله أمنا حواء من أبينا آدم وخلق سيدنا عيسى من السيدة مريم؟ فخلق سيدنا عيسى من السيدة مريم بدون أب هو الذي جعل المسيحين يعتقدون أن سيدنا عيسى هو ابن الله. فلماذا لم يعتقدوا أن  أبانا آدم ابن الله وقد كان خلقه مثل خلق أبينا آدم لقول الله تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ }

59 آل عمران.  فالقرق الوحيد هو : إن أبانا آدم قد خلق من تراب خارج الرحم وسيدنا عيسى قد خلق من تراب داخل الرحم. وفي ذلك توضيح لمعجزة الخالق الإله الحق حيث أراد الله منها أن يوضح للخلائق مقدرته على خلق البشر بشتى الطرق

فلماذا إن أراد ولداً أن لا يخلقه بطريقة متفردة لا تشبه طريقة خلق البشر؟ فيا سبحان الله

ولهذا جاء تحدي من الله سبحانه وتعالى للناس في قوله:{هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ ٱلظَّالِمُونَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}11 لقمان وقوله أيضاً:{ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَـٰذَآ أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} 4 الأحقاف

2-2  الرزق للخلائق

       لقد أخبرنا الله سبحانه وتعالى بأنه هو منزل الماء من السماء بقوله: {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَٰشاً وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ }22 البقرة وقوله أيضاً: {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً وَمِنَ ٱلنَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّٰتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍ ٱنْظُرُوۤاْ إِلِىٰ ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذٰلِكُمْ لأَيَٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }99 الأنعام وقوله أيضاً:{ وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَ جَنَّٰتٍ مَّعْرُوشَٰتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَٰتٍ وَٱلنَّخْلَ وَٱلزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَٰبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ }{وَمِنَ ٱلأَنْعَٰمِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ }{ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مِّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ }{ وَمِنَ ٱلإِبْلِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنْثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ ٱلنَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ } 141-144 الأنعام

      توضح هذه الآيات أن الله هو رازق جميع الخلق وهو الذي يمدهم بالغذاء من النبات والفواكه واللحوم والألبان لقوله تعالى:{وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ }6 هود

 فإذا علمنا أن الله هو الذي خلق  للناس ثمانية أزواج منها اثنين من البقر واثنين من الإبل واثنين من الضأن. إذاً البقرة لم تكن متفردة في مد البشر بالغذاء لأن لها ما يماثلها من الأنعام الأخرى اما يمد الناس باللحوم والألبان. فكيف يتخذ الناس البقرة إلهاً من دون الأنعام الأخرى ومن دون خالقها وخالق الأنعام جميعاً! أما الأصنام فهي غير مؤهلة للمقارنة. وإذا نظرنا للبشر نجدهم يعجزون عن الحصول على المياه إن توقف الإله عن تنزيلها ويعجزون عن توفير الزرع  للأنعام فيتسبب عدم نزول الأمطار في غلاء

المعيشة وتدهور الإقتصاد. ولهذا كان الرسل وأقوامهم يصلون لله صلاة الاستثغاء تضرعاً له كي يغيثهم بتنزيل الأمطار. فهل هنالك وأحد من الآلهة التي تعبد من دون الله من يستطيع تنزيل الماء من السماء وزراعة النبات وخلق الأنعام ؟ ولهذا جاء استنكار الإله بقوله تعالى:{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ}30 الملك. كما استنكر على الناس عبادة الأصنام وطلب الرزق منها بقوله تعالى: {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَٱبْتَغُواْ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزْقَ وَٱعْبُدُوهُ وَٱشْكُرُواْ لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} 17 العنكبوت

     ولما كان الله هو الذي يَطعِم جميع الخلق وهو لا يُطعَهم أي لا يأكل استنكر على الناس اتخاذ من يُطعَم إلهاً من دونه بقوله تعالى: { قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ قُلْ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ } 14 الأنعام

هذا وقد تعجب الكفار من أن يكون سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم مرسلاً وهو يأكل الطعام ويمشي في الأسواق. فواساه الله بأن جميع الرسل كانوا يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق بناءً على الآية: {وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي ٱلأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً} 20 الفرقان 

 فإذا كان الناس متعجبين كيف يأكل الرسل الطعام فما بال الإله؟ ولهذا تعجب الله واستنكر أن يتخذ النصارى المسيح إلهاً وهو وأمه يأكلان الطعام بقوله تعالى: {مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ ٱلطَّعَامَ ٱنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلآيَاتِ ثُمَّ ٱنْظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} 75 المائدة

       عليه يكون الله هو المتفرد بعدم الأكل ومتفرد بمد الخلق كلهم بالغذاء لأنه وحده الذي يطعمهم  فهل من إله يقوم بذلك العمل؟ فإذا قال الذين يعبدون البقرة إنها هي التي تمد الناس بالغذاء أي بالألبان واللحوم فلنجادلهم بالآتي: ألم يكن من نوع البقرة   ملايين؟  إذاً هي ليست بقرة واحدة متفردة حتى تتخذ إلهاً.  كما إن الإبل أيضاً تمد الناس بالألبان واللحوم وكذلك الضأن والماعز فما هي ميزتها في ذلك حتى تجعل الناس يتخذونها إلهاً؟ كما يمكن أن  نحاجهم بالسؤال التالي: من  الذي يمد البقرة بالغذاء كي تستطيع هي بدورها أن تمد الناس بالغذاء؟ إن الإجابة هي: إن الله وحده هو الذي خلق الأبقار والإبل والضأن والماعز لغذاء الإنسان لقوله تعالى:{ {وَمِنَ ٱلأَنْعَٰمِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}

{ ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مِّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ}  142-143 الأنعام  

وهو أيضاً الذي خلق للأنعام مرعاها كما خلقها للناس لقوله تعالى:{ أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا}{ وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا

30-33   {والجبال أرساها}  { مَتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ} الذاريات

فكيف يُؤله من لا يملك لنفسه الرزق ويُترك الخالق الرازق الذي يَطعِم جميع الخلق ولا يُطْعَم هو؟

2-3  الموت والحياة والنوم واليوم الآخر

أ-   الموت والحياة

     لقد أخبرنا الله بأنه وحده الذي خلق الموت والحياة ليبتلي بهما الناس وذلك بقوله تعالى:{ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفُورُ}2 الملك

فجميع الخلق والمخلوقات ستموت وتفنى لقوله تعالى:{كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } 57 العنكبوت أما الله فهو وحده الباقي وكل شيء من دونه فان لقوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ}{وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ }26-27 الرحمن وقوله أيضاً:{ وَلاَ تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ ٱلْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} 88 القصص

ومن هذا المنطلق هنا تطرأ الأسئلة التالية على الذهن: إذا كان هنالك إله غير الله أي إله من الذين يموتون ، فمن الذي سيمسك السماوات والأرض ألا تزولا من بعده؟ ومن الذي سيرقب مسيرتهما ؟ لذا جاء تعجب الله سبحانه وتعالى في ذلك بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً }41 فاطر. كما أن في رد سيدنا عيسى عليه السلام لربه عندما سأله إذا كان قد طلب من الناس أن يتخذوه إلهاً هو وأمه أكبر دليل على أهمية عدم وفاة الإله. وفقد كان رده كالآتي: { مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}117 المائدة

     إذاً تفرد الله بصفة البقاء هو الأمر الذي يجعل النظام في هذا الكون مستمر دون توقف أو تغيير. فهل هنالك من الآلهة الأخرى من لا يموت؟  إن الواقع يجيب بكلا لأن الإنس يموتون والجن في نهاية الحياة يموتون والجمادات تزول وتفنى والنباتات تموت والشمس والقمر والبحار والجبال كلها ستزول. إذاً هذه الإجابة هي التي تنفي تنفي وجود إله غير الله. فسبحانه هو وحده أهل للتقوى وأهل للعبادة لبقائه الأبدي.

ب-  النوم

      لقد أعلمنا الله أنه هو الذي قدَّر النوم للأحياء لقوله تعالى:{وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ لِبَاساً وَٱلنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُوراً }47 الفرقان. والنوم هو غفلة عما يحدث وعدم وعي كالموت ولكنه لفترة محدوده. فنوم الإله تترتب عليه أحداث كثيره كزوال السماوات والأرض وتغيير أو تأخير في انجاز مهام العباد وغيرهما من الأحداث السلبية. فإذا كانت كل المخلوقات الحية تنام فهي إذاً غير مؤهلة للتربع في عرش الإلوهية والربوبية.  أما الله فقد أعلمنا بأنه وحده الذي لا ينام ولا يسهو لأنه الحي القيوم المسئول من هذا الكون وحفظه وحفظ نظامه بقوله تعالى:{ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْعَظِيمُ} 255 البقرة

إذاً لا يوجد مخلوق يماثل الله في صفته هذه على الإطلاق مما يجعله متفرداً فيها.

ج- اليوم الآخر

     لقد أخبرنا الله عز وجل بأنه هو الذي خلق هذا الكون وفي يوم محدد سيعيده مرة أخرى بعد أن يتم فنائه بطي السماء لقوله تعالى: { يوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ } 104 الأنبياء

 كما أخبرنا بأنه سيحي الموتى في ذلك اليوم ويرجعهم إليه ليحاسبهم على أعمالهم ويحكم لهم في كل ما اختلفوا فيه لقوله تعالى:{إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي ٱلْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِيۤ إِمَامٍ مُّبِينٍ }12 يس وقوله أيضاً:{ وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ } 47 الأنبياء

وأخبرنا أيضاً إنه خلق الجنة ليجزي بها من يدين به إلهاً واحداً  أحداً وخلق النار ليعذب بها من لم يعتقد في وحدانيته. فهل هنالك من الآلهة من أخبر معتقديه أنه يمتلك مثل هذا اليوم ويمتلك جنة ونار ؟ فإن قال من يعتنق الديانة المسيحية أن المسيح سيرفع عنهم العذاب أو قال الذين يدينون بعزيز إنه الإله في ذلك اليوم، فإن الله قد أوضح أن المسيح وكل الرسل ومن اتبعوهم بأحسن رضوان سيقفون فينتظرون رحمة الله. فإن من خلق وملك السماوات والأرض هو الذي له الحق بفنائهم وأرجاعهم وبالتالي الملك والتصرف لله وحده. إذاً الله هو وحده الحي الدائم والكل يموت وهو وحده الذي لا ينوم ولا يسهو والكل ينام ويسهو وهو وحده الذي يملك اليوم الآخر ويحاسب جميع الخلائق والكل يرجو رحمته ويخاف عذابه في ذلك اليوم

3-3 الأقدار خيرها وشرها

     لقد قدَّر الله لكل مخلوق نصيبه من الخير ومن الشر لما ورد في الآية التالية:{ كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } 35 الأنبياء  أي إن الله هو خالق الخير وخالق الشر مما يستوجب على الناس الاستعانة به وحده لقوله تعالى: {وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ}107يونس  فهو إذاً الذي يستجيب للدعاء لقوله تعالى:{ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } 186 البقرة  

 وتوضيحاً لتفرد الله بالنفع والضرر تعجب سيدنا إبراهيم من أبيه لاتخاذه  إلهاً لا ينفع ولا يضر بناء على قول الله تعالى:{إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يٰأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً}42 مريم  كما أوضح الله سبحانه أن الناس إذا سئلوا عمن هو ربهم سيقولون الله وبالرغم من ذلك يتخذون آلهة من دونه،  لما ورد في الآية:{قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ قُلِ ٱللَّهُ قُلْ أَفَٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ لاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي ٱلظُّلُمَاتُ وَٱلنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ ٱللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّار}16الرعد

 وبالفعل لا يستطيع أي إله من الآلهة غير الله دفع الضرر عن نفسه ولا جلب الخير لها. فكيف ينفع غيره أويدفع عن غيره الضرر؟

ثالثاً  الصفات والأسماء الحسنى

1-  صفات الكمال

     إن جميع صفات الإله يفترض فيها أن تكون صفات كمال بمعنى أن تكون مطلقة وغير محدوده.  ولقد أخبرنا الله عز َّوجلّ أن صفاته جميعها لا يكافئه فيها أي مخلوق في هذا الكون.  وذلك لأن صفة كل مخلوق مهما بلغت من حسن فصفات الله هي الأحسن والأفضل والأكمل.  أي إن صفات الله هي صفات مفاضله. فإن قيل أن فلان كريم فالله الأكرم وإن قيل إنه عليم فالله الأعلم وإن كان هنالك عزيز فالله الأعز وهكذا. فالله له جميع الصفات الحسنى في حين أن الإنس لا يمكن أن تجتمع فيه جميع الصفات كما إن الإنسان مهما بلغ من الصفات الحسنى فيه نقص حيث خلقه الله وفيه ضعفاً وخلقه وهو هلوعاً وجزوعاً عند الملمات أي أن فيه نقص ولم يكن مكمل.

عليه سوف نذكر بعض الصفات التي تؤكد وتثني وحدانية الله مما جعلته أهل لأن يكون إله هذا الكون وربه وحده لا شريك له.

1-1  السمع والبصر والعقل الغير محدودين

      إن من يعتلي مكانة التحكم في هذا الكون الواسع يتطلب أن تتوفر فيه صفات مطلقة وغير محدوده. ولهذا أوضح الله إنه هو الذي يملك السمع والأبصار الغير محدودين كي يعلم بكل كبيرة وصغيرة في هذا الكون. فهو إذاً يعلم السر والجهر ويعلم الغيب لقوله تعالى: {وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلأَمْرُ كُلُّهُ فَٱعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } 123 هود  وقوله {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَٰرَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ } 103 الأنعام 

  فهل من الآلهة الأخرى لها هذه الصفات حيث تحدى الله الخلق بأنه هو الذي يملك السمع والأبصار .  فاستنكر الله على الناس اتخاذ آلهة من دونه وهو الذي إن  أخذ الله سمعهم وأبصارهم  فلن يستطيع أحداً غير الله أن يأتيهم بهم.كما إنه هو الذي يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي لقوله تعالى:{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ مَّنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ ٱنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ ثُمَّ هُم يَصْدِفُونَ} 46 الأنعام{أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ } 20 المرسلات وبقوله أيضاً:{ قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وٱلأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ }31 يونس

 فمن الآلهة المزعومة ما لا تسمع ولا تبصر ولا تعقل كالأصنام ومنها ما يسمع ويبصر كالحيوانات والناس ولكن سمعهم محدود وبصرهم محدود.  هذا من زاوية ومن زاوية أخرى نجد أن جميع الحيوانات والنبات والأصنام لا تملك عقلاً فكيف يتخذ الإنسان من بينها آلهة؟ أما البشر فلهم عقول محدودة التفكير تماماً كما لكان هم سمع وأبصار محدودين. فكيف يتخذ الناس إلهاً من دون الله الذي وحده يملك العقل والتفكير المطلق والسمع المطلق والبصر المطلق؟

1-2 العلم المطلق

       إن من يملك سمعاً مطلقاً لا حدود له وبصراً مطلقاً لا حدود له جدير بأن يكون عالماً بظاهر الأشياء وباطنها وسرها وجهرها. أي لم يكن هنالك شيء كبير ولا صغير يغيب عن أبصاره. فهو يعلم الغيب وأخفى.  فهل هنالك من المخلوقات في هذا الكون الفسيح من له هذه الخاصية أي صفة علم الغيب؟ لايوجد مخلوق من البشر له هذه الصفة على الإطلاق غير خالقهم وهو الله فما بال الآلهة الأخرى!  ولهذا أخبرنا الله بأنه هو وحده عالم الغيب والشهادة وعالم السر والجهر بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ }38 فاطر وقوله أيضاً:{وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَٰبٍ مُّبِينٍ} 59 الأنعام

وقوله: { أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ } 78 التوبة 

ولهذا استنكر الله على الناس أن يتخذوا آلهة لا تعلم الغيب

1-3 العزة المطلقة

      من صفات كمال الله هي أن له العزة كلها لقوله تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَٱلَّذِينَ يَمْكُرُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ } 10 فاطر ولهذا تعجب الله من قوم يبتغون العزة من غير الله بقوله تعالى:{ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً}  139 النساء وتخفيف الأمر على رسوله الكريم بقوله تعالى{ وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ }65 يونس

1-4 القوة المطلقة

       لقد أخبرنا الله سبحانه وتعالى ان له القوة جميعها في الآية{ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ أَنَّ ٱلْقُوَّةَ للَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعَذَابِ } 185 البقرة  والآية: {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلْقُوَّةِ ٱلْمَتِينُ } 58 الذاريات. إذاً كل من تعجبه قوته فهي جزء يسير من قوة الله.

هذه الصفات قطرة من نبع فلله تسع وتسعين صفة كمال فهل يوجد من هو مؤهل للألوهية أكثر من الله؟

1-5 الأسماء  الحسنى

إن من صفات الله التي لا يكافئه فيها أحد هي إنه أقوى الأقوياء وأعز الأعزاء وأعظم العظماء وأعلم العلماء وأعلى العالين وخير الغافرين وأحسن الخالقين و…و…الخ  وأسماء هذه الصفات التي لا يكافئه فيها أحد هي أسماء مركبة. فمثلاً أسم الرب الأكرم هو اسم شفع أي مكون من اسمين وهو(الرحمن الرحيم).  والاسم (العزيز الحكيم) هو اسم صفة العزة جميعها. والاسم (الغفور الرحيم) هو اسم صفة خير الغافرين وهكذا. إذاً حتى أسماؤه متفردة وهي أسماء وحدانية لأنها لم يتسمى بها مخلوقاً غيره.:

الخلاصة

      إن مكانة الألوهية هي مكانة واحدة لا ثانية لها. وهي المكانة التي تدار منها شئون الكون. هذه المكانة تتطلب مواصفات ومؤهلات متفردة لا تتوفر إلا في ذات واحدة. ولما تعددت أراء الناس واتخذت كل مجموعة  إلهاً كان لابد من تحديد الإله الحق والصحيح الذي يستحق الألوهية. وعند النظر في كل المواصفات المطلوبة توصلنا بما لا يدع مجالاً للشك بأن الله هو الإله الحق الذي لا إله غيره.

     عليه نصل إلى أن  الدين الإسلامي هو الدين الحق لأنه الاعتقاد بأن الإله واحد لجميع الخلق لا إله لهم غيره وهو الله الذي لا ينوم ولا يسهى ولا يموت فيكون قيوماً على ملكه لا شريك له. ولذلك أرسل الله رسله لتوضيح دين الإسلام أي دين التوحيد والوحدانية الذي هو الحقيقة الصادقة والغير مكذوبة ليبلوره باظهار امتيازاته على الدين كله أي على كل ما يدين به الناس من دون الله وبمعنى آخر يكون معنى الدين الإسلامي هو نبذ كل الأديان الأخرى وأن يكون الدين لله وحده لقوله تعالى لرسوله الكريم: {قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ} 56 الأنعام

    ولهذا جاءت حجة الله الفاصلة في حقيقة إنه هو الإله الواحد الأحد وليس هنالك إله غيره في السماوات والأرض في قوله تعالى:{قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً } 42 الإسراء وبقوله أيضاً: { أَمِ ٱتَّخَذُوۤاْ آلِهَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ }{ لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ } 21-22 الأنبياء

أخيراً نوضح أن الله قد خلق الناس جميعاً  وأشهدهم على إنه ربهم وهم على ظهور آبائهم لقوله تعالى: :{ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِين} 172 الأعراف
أي أن الله قد خلق جميع الناس موحدين ولكن الشياطين قد أقعدت لهم طريقهم المستقيم كما توعد إبليس ربه في قصة أبينا آدم وإبليس وكما أوضحه الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث التالي: عن
 عياض بن حمار حدثه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن قول ربه : ” إني خلقت عبادي حنفاء كلهم ، فأتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم 

 

.

.

بسم الله الرحمن الرحيم

معنى الحديثين :

(إذا دعا الرجل زوجته لحاجته فلتأته) و(لو كنت آمراً أحداً ليسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها)

   أحسب أن توضيح معاني هذين الحديثين يكمن في الاجابات المختصرة عن السؤالين التالي

السؤال الأول: لماذا يجب السجود لله سبحانه وتعالى على الناس جميعاً؟

الاجابة: إن الله هو الذي أتى بجميع الخلائق لهذه الدنيا من أجل عبادته وحده أي توحيده لقوله تعالى: (وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون). وعبادته هي الإيمان والتصديق بأنه إلهاً واحداً أحداً لا إله لهم غيره وإنه مالك الكتب والرسل والملائكة واليوم الآخر والأقدار خيرها وشرها. ولما توعد إبليس ربه بأنه سيغوي بني آدم ليقعد لهم صراطهم المستقيم أي معصية الله وطاعته هو، وإن الله لن يجد أكثر عباده شاكرين، كما إن اللعين سيتخذ من الذين سيؤمنون نصيباً مفروضاً، جعل الله محور رسالاته هو عبادته وحده واجتناب الطاغوت لقوله تعالى:{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ}                                                                                                                                                    36 النحل

     وبناءً على ذلك وضع الله الهدف الرئيسي من تنزيل رسالاته هو تكوين الأمة الخيرة الوسطى المستقيمة التي ستطيعه وحده وتعصي الشيطان لقوله تعالى: {وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}           104 آل عمران

ومن أجل تحقيق ذلك الهدف وضع الله استراتيجة لتنزيل الرسالات الهدف منها تمييز الذين سيعلنون إيمانهم صدقاً من المنافقين الذين سيتبعون الطاغوت ويكونون من نصيبه. لذلك أنزل الله العبادة التي هي محور مقاصد الشريعة على ثلاثة مراحل رئيسية. وكل مرحلة أنزلت بدورها على جزءين: جزء أخباري وجزء تشريعي. وبما إننا بصدد توضيح سبب السجود لله فسوف يتم التركيز على المرحالة الأولى فقط.

 المرحلة الأولى: لقد تم تنزيل معلومات وحدانية الإله في الجزء الأول وهي: إن الله هو الاله الواحد الذي خلق الخلائق لعبادته وحده وهو الذي خلق لهم السماوات سقفاً والأرض مستقراً لهم وفيها معايشهم وقد هيأها لهم بكل ما يحتاجونه من أجل عبادته. وعندما يعلن المؤمنون إيمانهم بتلك المعلومات ينزل الله لهم أحكامه امتحاناً وفتنة  لعلمه بأن من بينهم من سيغويه الشيطان ويضمه إلى نصيبه أي حزبه كما توعده.  إذاً الفتنة هدفها تمييز الذين اجتنبوا الشيطان وأطاعوا الله وحده من الذين أعلنوا الإيمان بلسانهم واتبعوا الشيطان بقلوبهم أي المنافقين. وذلك بناء على قوله تعالى:{ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ}{وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَاذِبِينَ}        2-3 العنكبوت

فكانت امتحانات المرحلة الأولى أي فتنتها هي الصلاة والزكاة لقوله تعالى:{قُل لِّعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ وَيُنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ}                                                                                                               31 ابراهيم

أما المرحلة الثانية فقد كانت من نصيب اليوم الآخر الذي أنزلت معلوماته أولاً ثم أنزلت الامتحانات ثانياً وهي العمل ببقية الأحكام لتوكيد الإيمان به وتمييز الخبيث من الطيب. وفي المرحلة الثالثة أنزلت معلومات الأقدار خيرها وشرها ثم تبعها تنزيل الأقدار امتحاناً للخلائق لتوكيد الإيمان بها عن طريق الرضاء بها والصبر عليها حمداً وشكراً لله ولتمييز الخبيث من الطيب.

    لقد اتضح أن الصلاة والزكاة المتلازمتان في كل القرآن هما اللتان تؤكدان إيمان المرء بربه إلهاً واحداً أحداً. ولما كان أداء الزكاة ليس في استطاعة جميع الخلق بعكس الصلاة التي يستطيع كل فرد أداؤها ، كانت الصلاة (أي السجود) هي عماد الدين وبالتالي هي أول ما يوزن من الأعمال يوم الدين. وبهذا يظهر لنا جلياً سبب السجود لله وحده.  فهو وحده خالقنا وواجدنا ورازقنا من أجل عبادته وحده أي توحيده قولاً وعملاً. فتوحيده قولاً هو لفظ كلمة التوحيد “لا إله إلا الله”. وتوحيده عملاً بالصلاة أي بالسجود له طاعةً وتحقيقاً للهدف الذي خلقت الخلائق  من أجله. والدليل على ذلك قوله تعالى:{يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ}{خَٰشِعَةً أَبْصَٰرُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ وَهُمْ سَٰلِمُونَ}                                                                                                                                             42-43 القلم

السؤال الثاني: ما هو السبب الذي يجعل المرأة تسجد لزوجها إن كانت هنالك إمكانية أن يسجد أحدا لأحد غير الله؟ ولماذا أوضح الرسول صلى الله عليه وسلم لصحابته أن سجود المرأة لزوجها كان أولى من سجود الصحابة له؟

    الإجابة:  إن الإجابة عن هذا السؤال توضحها المقارنة التالية: إن الرجل هو الذي يتزوج المرأة أي إنه هو الذي يأتي بههدف السكنى إليها وانجاب البنين لتكوين أمة صغيرة (هي الأسرة) تماما كما أتى الله بالخلائق بهدف عبادته وحده وتكوين أمة كبيره هي الأمة  الخيرة ولله المثل الأعلى. والرجل هو الذي يرزق زوجته مما آتاه الله فيوفر لها العيش كما يرزق الله عباده اويوفر لهم معيشتهم ولله المثل الأعلى. والرجل هو الذي يهيء للزوجه المأوى أي المستقر لتحقيق الهدف من الإتيان بها، كما هيأ الله المأوى والمستقر لخلائقه لتحقيق الهدف من الإتيان بهم ولله المثل الأعلى. وسميت مكانة الزوج التي يدير منها شئون اسرته برب الأسرة كما كان اسم مكانة الإله التي يدير منها شئون الكون برب العالمين. إذاً رب الأسرة الذي هو خليفة الله في الأرض هو مالك الأسرة والمدبر لأمرها والمتصرف في ملكه بالنيابة عن ربه كما كان رب العالمين هو المالك والمتصرف والمدبر لأمر الخلائق ولله المثل الأعلى. ولذلك  أحسب أن الله قد جعل مكانة الزوج بالنسبة لزوجته صورة مصغرة من مكانتهبالنسبة لعباده. فهل توجد هذه العلاقة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة أو أي مخلوق آخر غير زوجاته اللاتي أتى بهن لتوضيح رسالته؟

           إذاً التشابه بين علاقة رب العباد بالخلق وانشاء الكون وبين علاقة رب الأسرة بالزوجة وانشاء المؤسسة الزوجية أي الأسرة هو السبب الذي جعل حق الرجل في سجود زوجته له أولى من حق سجود الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن كان يجوز لأحد أن يسجد لأحد غيره. فالسجود لله وحده توكيداُ للإيمان به إلهاً واحداً أحداً فيا سبحان الله!

معنى الحديثين

   لما كان الرجل هو الذي يتزوج المرأة وهو الذي يهيء لها المأوى وهو الذي يقوم على راحتها وهو الذي يرزقها ويوفر لها معيشتها مما آتاه الله، وهو الذي يحفظها ويحميها بمشيئة الله وهو الذي يوعظها، على المرأة طاعة زوجها الطاعة المطلقة عندما يدعوها للمعاشرة فقط. وذلك لأن المعاشرة الزوجية هي أهم بنود  العقد الذي يبرم بلا إله إلا الله بين الزوجين.والله أعلم. وبطاعتها له أي تلبيتها لحاجته تكون قد أطاعت ربها واجتنبت الشيطان بوفائها لعقده الذي أبرم بلا إله إلا الله. وفي نفس الوقت ليس عليها طاعته المطلقة في الأمور الأخرى. لأن طاعة غير الله المطلقة تعني شركه في الطاعة واتباع الطاغوت. وإنما المطلوب هو التشاور وتبادل الأراء بكل احترام للاحتفاظ بالمودة والرحمة بينهما. فلا طاعة كاملة لمخلوق في معصية الخالق. والله أعلم من قبل ومن بعد

 

المدونة على ووردبريس.كوم.

أعلى ↑